النقض المثالي في فضح مذهب ربيع المدخلي الاعتزالي

الشيخ الفوزان ومناقضته للمذهب المدخلي ملف ربيع المدخلي

 

النقض المثالي

في

فضح مذهب

ربيع المدخلي الاعتزالي

 

( في قوله: ولا يلتقي الجسد والروح إلا يوم القيامة)

(وفي: علاقة الروح بالجسد في البرزخ)

 

 

بقلم:

فالح  بن نافع بن فلاح المخلفي الحربي

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[ [آل عمران: 102].

]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[ [النساء:1].

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً[ [الأحزاب: 7، 71].

أما بعد:

فإن من النكبات الكبار، والمصائب العظام، أن يبتلى الإسلام وأهله بمن يعمل على نقض بنيانه من الداخل، وفتح أسواره الحصينة للأعداء من الخارج، وإحداث الخلل في أصوله وقواعده المتينة، فيوهيها ويوهنها مما لا يصمد معه أساس أو تبقى معه قوة فضلاً عن أن يقوى ويزداد متانة:

متى يبلغ البنيان يوماً تمامه        إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

وذلك مما لا يجوز السكوت عليه بحال، فالسكوت يعرّض العوام الأبرياء إلى الانزلاق في الضلال، ومما يؤدي إلى فساد الفطر، وهم يحسبونه هدى ورشاداً، فيجب كشف الأباطيل، ورد العادية عن هذا الدين، وبيان الحق لطالبه، وإقامة البرهان لناشده ومبتغيه ]ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة[.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – (في الرد على المنطقيين ص 319): ” فليس لأحد قط أن يتكلم بلا علم، بل يُحَذر ممن يتكلم في الشرعيات بلا علم، وفي العقليات بلا علم؛ فإن قوماً أرادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة وأقيستهم الفاسدة، فكان ما فعلوه مما جرأ الملحدين أعداء الدين عليه، فلا للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا”.

وقال (في الجواب الباهر ص12): “إذا ميز العالم بين ما قاله الرسول وبين ما لم يقله، فإنه يحتاج إلى أن يفهم مراده، ويفقه ما قاله، ويجمع بين الأحاديث، ويضم كل شكل إلى شكله، فيجمع ما جمع الله بينه ورسوله، ويفرق بين ما فرق الله بينه ورسوله؛ فهذا هو العلم الذي ينتفع به المسلمون ويجب تلقيه وقبوله، وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم رضي الله عنهم “.

وقال في الرد على الإخنائي ( ص9): ” … فإن من الناس من يكون عنده نوع من الدين مع جهل عظيم، فهؤلاء يتكلم أحدهم بلا علم فيخطئ، ويخبر عن الأمور بخلاف ما هي عليه خبراً غير مطابق، ومن تكلم في الدين بغير اجتهاد مسوغ له الكلام وأخطأ فإنه كاذب آثم …”

وقال ابن القيم رحمه الله (في شفاء العليل ص14): “وكل من أصّل أصلاً لم يؤصله الله ورسوله قاده قسراً إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلاً غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو أصلهم الذي عليه يعوّلون، وجُنتهم التي إليها يرجعون”.

ولابن القيم (في الروح 1/310) كلام جميل في هذا المجال وفيه:” أن يفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه مالا يحتمله ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان، وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، لا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده وسوء القصد من التابع فيا محنة الدين وأهله، والله المستعان، وهل أوقع… أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام، والذي فهمه الصحابة ومن تبعهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فمهجور لا يلتفت إليه ولا يرفع هؤلاء به رأساً، ولكثرة أمثلة هذه القاعدة تركناها، فإنا لو ذكرناها لزادت على عشرة ألوف حتى إنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله مراده كما ينبغي في موضع واحد.

وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس، وعرضه على ما جاء به الرسول، وأما من عكس الأمر بعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده وانتحله وقلد فيه من أحسن به الظن فليس يجدي الكلام معه شيئاً، فدعه وما اختاره لنفسه، ووله ما تولى واحمد الذي عافاك مما ابتلاه به”.

قلت: وما أحسن قول الشافعي رحمه الله: “آمنت بالله وما جاء عن الله على مراد الله وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله”.

قال النعمي (في معارج الألباب ص 195): “… فالأحمق يضرك بعين ما يزعم أنه لك نافع”.

وأي حمق أكبر من ترك السنة إلى البدعة والهدى إلى الضلال، ولو أدى به عقله إلى أنه حق غير باطل، أو زعم أنه يريد تعبيد الناس لربهم، قال شيخ الإسلام ( في الصفدية ص88): ” الإنسان قد يعتقد قضية من القضايا وهي فاسدة فيحتاج إلى اعتقاد لوازمها فتكثر اعتقاداته الفاسدة”.

وصدق الله إذ يقول:]  أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً[.

وأحسن من قال: “… ومن البر ما يكون عقوقاً”.

ومن هذا النوع الذي يتكلم بلا علم ولم يلتزم نصوص الشرع أو يرجع إلى أصول الدين وقواعده العظيمة المتينة ربيع المدخلي الذي ضل وأضل وفُتِن وفَتَن ولا يزال يفتح أبواب الشر والفتنة ويوقع الناس في الشك والالتباس في أصول دينهم فضلاً عن الفروع، وهو إما أنه يفعل ذلك عن سوء اعتقاد وجهل  وإما لاختلال عقل وخرف.

فقد قال بعدم العمل بالمجمل والمفصل إلا بكلام الله أو كلام المعصوم، وبالتنازل عن أصول الدين، وعدم الكفر بترك جميع العمل (جنس العمل)، وقال بوجود مسلم لا يؤمن بمراعاة الشريعة للمصالح والمفاسد ولا بالسماحة والرخص والضرورات فيها، وهو تكفير يرده التدافع العقلي أي لا يقبله العقل فضلاً عن الشرع، ويقول أيضاً بوجود مسلم سني يقول: لا كمال في الإيمان، وهذا كله تنطق به نصوصه، وذلك كله خلاف إجماع أهل السنة والجماعة، _ وهو بهذه الأصول الفاسدة والإنحرافات الفادحة من خصوم أهل السنة والجماعة وأعدائهم، إلا أن يراجع نفسه ويبين ويتبرأ من الضلال ويتوب من كل هذا ويستقيم على جادة الحق، وذلك بعيد إلا أن يشاء الله فكل الهداية بيديه سبحانه ـ.

وقد قال وغالط في أمور كثيرة أخرى، بينا غلطه ومغالطاته ومراوغاته وإصراره على الباطل فيها.

وقد أتى من ذلك بما لم يأت به الأوائل ولا الأواخر من أهل السنة:

وإني وإن كنت الأخير زمانه             لآت بما لم تستطعه الأوائل

وهو يتنقل من ضلالة إلى ضلالة أخرى فيضرب فيها بسهم:

يوماً بحزوى ويوماً بالعقيق ويو        ماً بالعذيب ويوماً بالخليصاء

وقد أتى هذه المرة بثالثة الأثافي وباقعة البواقع، ففي موقعه الرسمي في شبكة سحاب فرغ من كلامه – في أجوبته المسجلة – فواز الجزائري – بعنوان ( فتاوى متنوعة في العقيدة والمنهج) وعرضها عليه بعد التفريغ وأضيفت إلى موقعه بتاريخ4/شوال/1427هـ  26/10/2006 م، ومن ضمنها (في الحلقة الأولى ص2) – سئل: “هل الأنبياء أرواحهم وأجسادهم في السماء أم أرواحهم فقط؟”

فأجاب قائلاً: ” أرواحهم في الجنة أرواح الشهداء أرواح الأنبياء أرواح المؤمنين كلها في الجنة.

إذا كان المؤمنون تسرح أرواحهم في الجنة حيث شاءت فكيف بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟!، فليست أرواحهم في القبور كما يتصوره بعض الناس, إنما هي في السماء في الجنة ولا يلتقي الجسد والروح إلا يوم القيامة: ] يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً[.

هناك يبعثهم الله، أول من ينشق عنه القبر محمد صلى الله عليه وسلم، أول من يبعث عليه الصلاة والسلام، وحديث: ” الأنبياء في قبورهم يصلون وإن كان صححه الشيخ الألباني فإنه ضعيف جداً، وهو أول حديث اعترضت به عليه رحمه الله “.

قلت: وإن كثيرين قد اطلعوا في الانترنت وفي موقع المدخلي على هذه الضلالة ولم يلاحظوها أو ينتبهوا إلى  هذه العقيدة الخبيثة وخطورتها وذلك دليل على تقبلها واعتقادها وقد انحرفت بهم عن السبيل في هذا الأمر الخطير في أصل من أصول أهل الإسلام ومعتقد أهل السنة والجماعة تبعاً لغواية المدخلي مما يصدق عليه قول الشاعر:

إن الفقيه إذا غوى وأطاعه            قوم غووا معه فضاع وضيعا

مثل السفينة إن هوت في لجة         تغرق ويغرق كل من فيها معا

وسيأتي في كلام أئمة وعلماء أهل السنة أن قول المدخلي: “ولا يلتقي الجسد والروح إلا يوم القيامة “ ليس معتقد أهل السنة والجماعة الذي قامت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وقام عليه إجماع أهل السنة، وإنما هو معتقد الفلاسفة ومن قال به من الخوارج أو من قال به من أهل الكلام من المعتزلة ومن سلك سبيلهم.

وقد قال المدخلي في تقديمه لرسالة أشرف بن عبد المقصود ( القبر)، بتاريخ 23 جمادى الأولى 1407هـ: ” فإن القبر وإن كان برزخاً بين الدنيا والآخرة فإنه أول مراحل الآخرة، فقد يسعد فيه المؤمن فتكون روحه في الجنة تسرح حيث شاءت جزاءً لإيمانها الصادق بالله وملائكته وكتبه ورسله، وجزاء استقامته وثباته على ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من عقائد وشرائع وعبادات وجهاد مخلصاً فيها لوجه ربه تبارك وتعالى”.

قلت: يلاحظ في هذا من كلام المدخلي ما يتفق مع كلامه السابق، حيث لم يذكر العلاقة بين الروح والجسد في البرزخ كما يذكر ذلك أهل السنة وكما يفصلون في هذه المسألة الخطيرة ولا يطلقون.

ويلاحظ – أيضاً – أن تلميذه وممدوحه صاحب الكتاب هو الآخر اتفق مع شيخه فلا يذكر الأرواح المنعمة في الجنة إلا ويطلق كما أطلق شيخه ولا يفصل تفصيل أهل السنة والجماعة، ولا يعرج على نقل تفصيل أهل السنة في العلاقة بين الروح والجسد كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن أبي العز وابن رجب وغيرهم من علماء أهل السنة وأئمتهم المتقدمين والمتأخرين، فكيف يتفق المقدّم والمقدّم له إلا أن يكون ذلك عن تجاهل وعمد وقصد لما يعتقده الإثنان، مما يصدق عليه  المثل: (وافق شن طبقه).

بل إن محقق (قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر) لصديق حسن خان: القريوتي (هامش ص132) علق تفصيل أهل السنة، وأشار إلى رده على المخالف في المسألة، ويفعل هذا غيره..

فهذا الإجمال من المقدم والمقدم له يدل على مذهب فاسد، وأنه قديم وليس عارضاً أو حادثاً، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قلت: ويبعد أن لا يكون المدخلي قد أجاب عن مذهب واعتقاد؛ فهذه القضية من أصول معتقد أهل السنة والجماعة، بل من أصولهم البينة الظاهرة غير الخفية، التي لا يكاد يخلو تقرير من تقريراتهم منها، ولا مؤلف من مؤلفاتهم، ويسأل عنها علماؤهم فيفتون بها، ويبينونها تفصيلاً، ويطلع على ذلك العامة والخاصة، خصوصاً في هذا الوقت الذي انتشرت فيه المعلومات في وسائل الإعلام والتسجيل ومواقع الانترنت والتوسع في طباعة الكتب والنشر، فهذا متاح لغير المتخصصين، أما هذا الرجل فقد اطلع على كتب أهل السنة وتآليفهم المتخصصة فمن الممتنع عدم معرفته بعقيدتهم في هذا الباب، بل قد درًّسها فأي سبيل إلى عدم قصد الاعتقاد في إجابته، بل قوله ” فليست أرواحهم في القبور كما يتصوره بعض الناس”!، مع قوله” لا يلتقي الجسد والروح…” غمز لمن يعتقد عقيدة أهل السنة والجماعة.

ومع كون هذا الغمز لأهل السنة ومع نفيه علاقة الروح بالجسد في البرزخ _وهو المأخذ عليه، ولا يستغرب من مثله من خصوم أهل السنة _؛ فإني لا أقول إن الروح باقية في القبر بقاء دائماً مستمراً، بل الأصل أن أرواح المؤمنين في الجنة وقد جاءت النصوص الصحيحة الصريحة بأنها تلتقي بالجسد في القبر كما سيأتي وتفصيل أهل العلم في ذلك.

ومما يدل على قدم مذهبه الباطل: اعتراضه على الشيخ الألباني– رحمه الله – في تصحيحه لحديث « الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون»، وهو حديث صحيح لا سبيل إلى تضعيفه بحال  فضلاَ عن تضعيفه جدا كما يقول المدخلي, وليس فيه ما يعارض عقيدة أهل السنة والجماعة وقد حققه الشيخ  في السلسلة الصحيحة برقم ( 621) بما لم يسبق إليه ولا مزيد عليه، وصححه – أيضاً – في صحيح الجامع برقم (2787)، والتوسل (ص60)، ومعلوم أن تصحيح الألباني قوي جداً، ولا يكاد يصحح حديثاً ولا يكون كذلك بخلاف ما يحسنه من الأحاديث فقد يخالف فيه.

وقد كنت أقول هذا بعد تتبع من القديم، ووجدت الشيخ ابن عثيمين _ رحمه الله _ يقوله في رسالته إلى محمد ابن إبراهيم الشيباني -، كما في ترجمته للشيخ الألباني -، ويقوله غيره، وهذا الحديث مثل الحديث الذي في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن النسائي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « مررت ليلة أسرى بي على موسى قائماً يصلي في قبره»، وهي خاصية للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فحياتهم في البرزخ أكمل من حياة غيرهم، وقد ثبت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعلوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم))، وقوله:    « … فإن صلاتكم معروضة علي»، قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أَرِمْت؟، قال: يقولون بليت، قال: « إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء».

وهذه خاصية من خواصهم أيضاً، وثبت – أيضاً – أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: « ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام »، وهذان نصان يدلان على أن أجسام الأنبياء في قبورهم، وليست في السماء، وهو جواب ما أغفل جوابه المدخلي، وهو في السؤال، وثبت أنه صلى الله عليه  وسلم قال: « إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام».

قال الإمام ابن القيم (في الروح1 /266):”ومعلوم بالضرورة أن جسده صلى الله عليه وسلم في الأرض طَريٌّ مُطَرَّى وقد سأله الصحابة كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب، وقد صح عنه أن الله وكل بقبره ملائكة يبلغون عن أمته السلام،…، وقد صح عنه أنه رأى موسى قائماً يصلي في قبره ليلة الإسراء ورآه في السماء السادسة أو السابعة، فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به بحيث يصلي في قبره ويرد سلام من سلم عليه، وهي في الرفيق الأعلى، ولا تنافي في الأمرين فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان” .

قال نعمان ألآلوسي في  الآيات البينات ص111 :”روح نبينا صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وبدنه الشريف في ضريحه المكرم، يرد السلام على من يسلم عليه ”

قلت: وما ذكرناه من الأدلة من النصوص الكثيرة المتنوعة  ترد على المدخلي في مذهبه الاعتزالي الفاسد، وقد قام عليها إجماع الأمة.

 

حقـيقة الـروح

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( كما في 2/341) عن حقيقة الروح: ” ومذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر سلف الأمة وأئمة السنة: أن الروح عين قائمة بنفسها تفارق البدن وتنعم وتعذب، ليست هي البدن ولا جزءاً من أجزائه”.

وقال في موضع آخر(9/303): ” والصواب أنها ليست مركبة من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وليست من جنس الأجسام المتحيزات المشهودة المعهودة، وأما الإشارة إليها، فإنه يشار إليها، وتصعد وتنزل وتخرج من البدن، وتسل منه، كما جاءت بذلك النصوص، ودلت عليه الشواهد العقلية.

وأما قول القائل أين مسكنها من الجسد؟ فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد كما تسرى الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فان الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة وإذا فارقته الروح فارقته الحياة”.

وقال (في الجواب الصحيح 3/277): ” الإنسان مؤلف من بدن وروح وهي عين قائمة بنفسها عند سلف المسلمين وأئمتهم وجماهير الأمم”.

 

 

أطوار الإنسان

قال العلامة الأمير الصنعاني (في جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت ص57): “قد جعل الله لحكمته الدور ثلاثاً، دار الدنيا، والبرزخ، ودار القرار، فالبرزخ هو الذي أراده الله تعالى بقوله :]وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[ قال في الكشاف: (أي أمامهم حاجز بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث)، وفي القاموس : (البرزخ الحاجز بين الشيئين، ومن وقت الموت إلى يوم القيامة من مات دخله) اهـ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد: ] وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[ قال: (حجاب بين الميت والرجوع إلى الدنيا).

وقال في التحقيق: (إن لهذه الأنفس أربع دور، كل واحدة أعظم من الأخرى:

الأولى: بطن الأم في ذلك الضيق والحصر. والظلمات الثلاث: ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، والبطن، بهذا فسره ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير.

والثانية: هذه الدار التي نشأت فيها، وألفتها، وكسبت فيها الخير والشر وأسباب السعادة

والشقاوة، ولقيت فيها ما يحب ويكره.

والثالثة: دار البـرزخ، وهي أوسع من هذه الدار وأعظـم، بل نسبتها إليها كنسبة  هـذه الدار لأول دار.

والرابعة: هي دار القرار، وهي الجنة والنار، فلا أدري بعدها، ولله تعالى بقدرته وحكمته  تنقل هذه الأنفس في هذه الدور الثلاث طبقاً بعد طبق [لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ] حتى ينتهي إلى الدار التي لا تصلح لها غيرها، وفيها استقرارها وقبلها في تلك الدور، كانت مسافرة تقطع كل حين مراحل من أنفاسها إلى دار قرارها، ولها بحكمته تعالى في كل دار من هذه الدور شأن وحكم غير شأن الدار الأخرى، ]فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[“.

 

علاقة الروح بالجسد في ( البرزخ)

قال الإمام أبو عبد الله البخاري (3/449 البخاري مع منحة الباري لزكريا الأنصاري) باب ما جاءَ في عذاب القبر:” وقوله تعالى: ]إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ[ [ الأنعام: 93] هو الهوان، والهون: الرفق، وقوله جل ذكره:] سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ[، [ التوبة: 101]. وقوله تعالى: ]وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ & النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ[ [غافر: 45، 46].”

وبسنده إلى البراء بن عازب  رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إذا أقعد المؤمن في قبره أتي، ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: ]يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ[ [ إبراهيم: 27]. حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غُنْدَر، حدثنا شعبة بهذا، وزاد: ] يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [[ إبراهيم: 27] نزلت في عذاب القبر.

قال الأنصاري في شرحه :” (باب: ما جاء في عذاب القبر) أي: من الآيات والأحاديث، ولا مانع من أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد أو في جميعه فيثيبه أو يعذبه، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه، أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر، كما أنه يعيده للحشر، وهو تعالى قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء آخر، بل هو على سبيل التدبير”.

وقال الحافظ بن حجر في الفتح 3/233 قوله باب ما جاء في عذاب القبر:” …اكتفى بإثبات وجوده خلافاً لمن نفاه مطلقاً من الخوارج، وبعض المعتزلة، كضرار بن عمرو وبشر المريسي ومن وافقهما…، قوله: (وقولِه تعالى) بالجر عطفاً على عذاب القبر، أي ما ورد في تفسير الآيات المذكورة، وكأن المصنف قدم ذكر هذه الآيات لينبه على ثبوت ذكره في القرآن، خلافاً لمن رده وزعم أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الآحاد، فأما الآية التي في الأنعام فروى الطبراني وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ]وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ [ قال: هذا عند الموت، والبسط الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم. ويشهد له قوله تعالى في سورة القتال:] )َكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [، وهذا وإن كان قبل الدفن، فهو من جملة العذاب الواقع قبل يوم القيامة، وإنما أضيف العذاب إلى القبر لكون معظمه يقع فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا فالكافر ومن شاء الله تعذيبه من العصاة يعذب بعد موته ولو لم يدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق إلا من شاء الله،… ” قولـه: (وقوله تعالى:] وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ[، الآية … وسيأتي في الكلام على حديث ابن عمر أن هذا العرض يكون في الدنيا قبل يوم القيامة، قال القرطبي الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة تثبت عذاب القبر، وقال غيره: وقع ذكر عذاب الدارين في هذه الآية مفسراً مبيناً، لكنه حجة على من أنكر عذاب القبر مطلقاً لا على من خصه بالكفار، واستدل بها على أن الأرواح باقية بعد فراق الأجسام، وهو قول أهل السنة واحتج بالآية الأولى على أن النفس والروح شيء واحد لقوله تعالى: ]أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [ والمراد الأرواح”…

ثم قال – رحمه الله-: (ص235 ):”وذهب ابن حزم وابن هبيرة إلى أن السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد، وخالفهم الجمهور فقالوا: تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه؛ لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد، ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه، والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه من إقعاد ولا غيره، ولا ضيق في قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب وجوابهم أن ذلك غير ممتنع في القدرة، بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وألماً لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألماً أو لذة لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يدرك ذلك جليسه، وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد وأحوال ما بعد الموت على ما قبله، والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم إبقاء عليهم لئلا يتدافنوا وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت إلا من شاء الله وقد ثبتت الأحاديث لما ذهب إليه الجمهور كقوله :” إنه ليسمع خفق نعالهم” وقوله:”تختلف أضلاعه لضمة القبر” وقوله:”يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق” وقوله:” يضرب بين أذنيه” وقوله:” فيقعدانه” وكل ذلك من صفات الأجساد” .

وقال العلامة أبو عبد الله القرطبي عن علاقة الروح بالجسد في القبر ( في كتابه التذكرة في أحوال الموت وأمور الآخرة ص 124): ” الإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب، والتصديق به لازم حسب ما أخبر به الصادق، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه؛ ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به، ويفهم ما آتاه من ربه، وما أعد له في قبره من كرامة وهوان، وبهذا نطقت الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه  وسلم وعلى آله آناء الليل وأطراف النهار، وهذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أهل الملة ولم تفهم الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم ولغتهم من نبيهم عليه السلام غير ما ذكرنا وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرا”.

وعن علاقة الروح بالجسد في القبر سئل شيخ الإسلام – رحمه الله – ( كما في مجموع الفتاوى 4/282):

“عن عذاب القبر، هل هو على النفس والبدن أو على النفس دون البدن، والميت يعذب في قبره حياً أم ميتاً، وإن عادت الروح إلى الجسد أم لم تعد فهل يتشارك في العذاب والنعيم أو يكون ذلك على أحدهما دون الآخر؟”.

فأجاب: “بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعتين، كما يكون للروح منفردة عن البدن.

…. وفى المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة والحديث: قول من يقول إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح وأن البدن لا ينعم ولا يعذب وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون لا يكون ذلك في البرزخ وإنما يكون عند القيامة من القبور”،  إلى أن قال: ” والقول الثالث الشاذ قول من يقول إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم القيامة الكبرى، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم، الذين ينكرون عذاب القبر ونعيمه بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن وأن البدن لا ينعم ولا يعذب…”، وإلى أن قال – رحمه الله -: ” فليعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها: أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحياناً، فيحصل له معها النعيم والعذاب.

ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها وقاموا من قبورهم لله رب العالمين “.

وقال العلامة الأمير الصنعاني في: جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت (ص56): ” ثبت بالكتاب والسنة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة …الخ” كلام شيخ الإسلام بنصه دون إشارة إليه.

وشيخ الإسلام ابن تيمية (كما في المجموع 4/292)، وبعد أن ذكر حديث البراء الطويل في أحوال الموت والبرزخ -وقال عنه: “وهو حديث حسن ثابت”: يريد حسن المتن وثبوت السند، وقال في موضع آخر (في المجموع 4/ 271): “وهذا حديث معروف جيد الإسناد”([1]) ([2]) -: « إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة..» الحديث، الذي رواه أحمد في المسند (رقم: 18538، 30/ 509) وغيره.

قال: ” ففي هذا الحديث أنواع من العلم منها: أن الروح تبقى بعد مفارقة البدن خلافاً لضلال المتكلمين، وأنها تصعد وتنزل خلافاً لضلال الفلاسفة، وأنها تعاد إلى البدن، وأن الميت يسأل فينعم أو يعذب”.

وقال ( كما في مجموع الفتاوى 24/332): ” والصحيح الذي عليه الأئمة، وجماهير أهل السنة أن الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصاً بالشهيد كما دلت على ذلك النصوص الثابتة، ويختص الشهيد بالذكر لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة.

كما نهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق؛ لأنه هو الواقع وان كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الاملإق”

وقال – أيضاً – ( كما في المجموع 24/365): ” … وأرواح المؤمنين في الجنة كما في الحديث الذي رواه النسائي ومالك والشافعي وغيرهم أن نسمة المؤمن طائر يَعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه، وفى لفظ ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله؛ وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم”.

وقال – أيضاً – ( 4/274): ” عود الروح إلى بدن الميت في القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة الدنيا وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه كما أن النشأة الأخرى ليست مثل هذه النشأة وان كانت أكمل منها، بل كل موطن في هذه الدار وفى البرزخ والقيامة له حكم يخصه ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يوسع له في قبره ويسأل ونحو ذلك وان كان التراب قد لا يتغير فالأرواح تعاد إلى بدن الميت وتفارقه

… فالروح تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى، وتفارقه متى شاء الله تعالى لا يتوقت ذلك بمرة ولا مرتين، والنوم أخو الموت، ولهذا كان النبي يقول إذا أوى إلى فراشه باسمك اللهم أموت وأحيا، وكان إذا استيقظ يقول الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، فقد سمى النوم موتا والاستيقاظ حياة.

وقد قال تعالى: )اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً [،  فبين أنه يتوفى الأنفس على نوعين فيتوفاها حين الموت ويتوفى الأنفس التي لم تمت بالنوم ثم إذا ناموا فمن مات في منامه أمسك نفسه ومن لم يمت أرسل نفسه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: ( باسمك ربى وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).

والنائم يحصل له في منامه لذة وألم وذلك يحصل للروح والبدن، حتى إنه يحصل له في منامه من يضربه فيصبح والوجع في بدنه، ويرى في منامه أَنّه أُطْعِم شيئاً طيباً فيصبح وطعمه في فمه، وهذا موجود، فإذا كان النائم يحصل لروحه وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به والذي إلى جنبه لا يحس به حتى قد يصيح النائم من شدة الألم أو الفزع الذي يحصل له ويسمع اليقظان صياحه وقد يتكلم إما بقرآن وإما بذكر وإما بجواب، واليقظان يسمع ذلك، وهو نائم عينه مغمضة ولو خوطب لم يسمع، فكيف ينكر حال المقبور الذي أخبر الرسول أنه: ” يسمع قرع نعالهم ” ، وقال: ” ما أنتم أسمع لما أقول منهم ” ؟ والقلب يشبه القبر، ولهذا قال لما فاتته صلاة العصر يوم الخندق: ” ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً “، وفى لفظ: ” قلوبهم وقبورهم ناراً “. وَفرَّق بينهما في قوله: )بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ[، وهذا تقريب وتقرير لإمكان ذلك.

ولا يجوز أن يقال ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه، بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك، إذا قال السائل: الميت لا يتحرك في قبره والتراب لا يتغير ونحو ذلك مع أن هذه المسألة لها بسط يطول وشرح لا تحتمله هذه الورقة “.

وقال  – أيضاً – ( كما في مجموع الفتاوى 4/262): “مذهب سائر المسلمين، بل وسائر أهل الملل إثبات القيامة الكبرى وقيام الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك، وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ ما بين الموت إلى يوم القيامة، هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة، وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع، لكن من أهل الكلام من يقول هذا إنما يكون على البدن فقط كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن كقول من يقول ذلك من المعتزلة والأشعرية.

ومنهم من يقول بل هو على النفس فقط بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب على البدن ولا نعيم كما يقول ذلك ابن ميسرة وابن حزم، ومنهم من يقول بل البدن ينعم ويعذب بلا حياة فيه…”، إلى أن قال:” بل القرآن قد بين في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن وبين النعيم والعذاب في البرزخ”.

وابن القيم (في الروح 1/281) نقل كلام شيخه ابن تيمية هذا ثم  ذكر الأدلة، وفصل في المسألة كذلك، فليرجع إلى تفصيل الشيخين لأهميته في هذه القضية الخطيرة.

ولابن القيم (في الروح1/309) جواب حول إشكالات الملاحدة والزنادقة فيما يتعلق بأحوال البرزخ ومنه قوله: ” أن يعلم أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله العقول وتقطع باستحالته بل أخبارهم قسمان:

أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر، الثاني: مالا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر وتفاصيل الثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالاً في العقول أصلاً، وكل خبر يظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين إما يكون الخبر كذباً عليهم أو يكون ذلك العقل فاسداً وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقول صريح قال تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد) وقال تعالى:( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى )وقال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه )والنفوس لا تفرح بالمحال، وقال تعالى: ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) والمحال لا يشفي ولا يحصل به هدى ولا رحمة ولا يفرح به فهذا أمر من لم يستقر في قلبه خير ولم يثبت له على الإسلام قدم وكان أحسن أحواله الحيرة والشك.

[و] أن الله سبحانه جعل الدور ثلاثة دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وجعل لكل دار أحكاماً تختص بها وركب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعاً لها ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم فالأبدان هنا ظاهرة والأرواح خفية والأبدان كالقبور لها، والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها، تجرى أحكام البرزخ على الأرواح فتسرى إلى أبدانها نعيماً أو عذاباً، كما تجرى أحكام الدنيا على الأبدان فتسرى إلى أرواحها نعيماً أو عذاباً.

فأحط بهذا الموضع علماً واعرفه كما ينبغي يزل عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج.

وقد أرانا الله سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجاً في الدنيا من حال النائم فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجرى على روحه أصلاً والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيراً مشاهداً فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه ويذهب عنه الجوع والظمأ، وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشىء من ذلك، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس، فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى وهى متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهراً بادياً أصلاً ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة مطابق للعقل وأنه حق لا مرية فيه، وإن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أتي كما قيل:

وكم من عائب قولاً صحيحاً … وآفته من الفهم السقيم

وأعجب من ذلك أنك تجد النائمين في فراش واحد وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه وليس عند أحدهما خبر عند الآخر فأمر البرزخ أعجب من ذلك.

[و] أن الله سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلاً بها غيباً وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار وذلك من كمال حكمته وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريباً منه ويشاهدهم عياناً ويتحدثون عنده ومعهم الأكفان والحنوط، إما من الجنة وإما من النار ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر وقد يسلمون على المحتضر ويرد عليهم تارة بلفظه وتارة بإشارته وتارة بقلبه حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة…

[و] أن النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرتها وإنما هي من نار الآخرة وخضرتها وهى أشد من نار الدنيا، فلا يحس به أهل الدنيا فإن الله سبحانه يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظم حراً من جمر الدنيا ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفنان أحدهما إلى جنب الآخر وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره وذلك في روضة من رياض الجنة لا يصل روحها ونعيمها إلى جاره، وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك، وقد أرانا الله من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علماً إلا من وفقه الله وعصمه.

فيفرش للكافر لوحان من نار فيشتعل عليه قبره بهما كما يشتعل التنور فإذا شاء الله سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه، وغيبه عن غيره إذ لو اطلع عليه العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس كما في الصحيحين عنه: ( لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعت ذلك وأدركته كما حادت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغلته وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره…

[و] أن الله سبحانه وتعالى يحدث في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك فهذا جبريل كان ينزل على النبي ويتمثل له رجلاً فيكلمه بكلام يسمعه ومن إلى جانب النبي لا يراه ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء، وأحياناً يأتيه الوحي في مثل صلصة الجرس ولا يسمعه غيره من الحاضرين، وهؤلاء الجن يتحدثون ويتكلمون بالأصوات المرتفعة بيننا ونحن لا نسمعهم، وقد كانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط وتضرب رقابهم وتصيح بهم والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم، والله سبحانه قد حجب بني آدم عن كثير مما يحدثه في الأرض وهو بينهم، وقد كان جبريل يقرئ النبي ويدارسه القرآن والحاضرون لا يسمعونه.

وكيف يستنكر من يعرف الله سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها، والعبد أضعف بصراً وسمعاً من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر …، ثم إن العبد قادر على أن يزيل الزئبق والخردل عن عين الميت وصدره ثم يرده بسرعة فكيف يعجز عنه الملك وكيف لا يقدر عليه من هو على كل شيء قدير وكيف تعجز قدرته عن إبقائه في عينيه وعلى صدره لا يسقط عنه وهل قياس أمر البرزخ على ما يشاهده الناس في الدنيا إلا محض الجهل والضلال وتكذيب أصدق الصادقين وتعجيز رب العالمين وذلك غاية الجهل والظلم.

وإذا كان أحدنا يمكنه توسعة القبر عشرة أذرع ومائة ذراع وأكثر طولاً وعرضاً وعمقاً ويستر توسيعه عن الناس ويطلع عليه من يشاء فكيف يعجز رب العالمين أن يوسعه ما يشاء على من يشاء ويستر ذلك عن أعين بني آدم فيراه بنو آدم ضيقاً وهو أوسع شيء وأطيبه ريحاً وأعظمه إضاءةً ونوراً وهم لا يرون ذلك.

وسر المسألة أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم، والله سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها فأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل عليه الغطاء ليكون الإقرار به والإيمان سبباً لسعادتهم فإذا كشف عنهم الغطاء صار عياناً مشاهداً …

[و] أنه غير ممتنع أن ترد الروح إلى المصلوب والغريق والمحرق، ونحن لا نشعر بها لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود فهذا المغمى عليه والمسكوت والمبهوت أحياء وأرواحهم معهم ولا تشعر بحياتهم ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالاً بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من الألم واللذة، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل في الجمادات شعوراً وإدراكاً تسبح ربها به وتسقط الحجارة من خشيته وتسجد له الجبال والشجر وتسبحه الحصى والمياه والنبات قال تعالى:( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)، ولو كان التسبيح هو مجرد دلالتها على صانعها لم يقل: ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم) فإن كل عاقل يفقه دلالتها على صانعها وقال تعالى:( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق) والدلالة على الصانع لا تختص بهذين الوقتين وكذلك قوله تعالى:( يا جبال أوبي معه )،والدلالة لا تختص معيته وحده وكذب على الله من قال التأويب رجع الصدى فإن هذا يكون لكل مصوت وقال تعالى: ( ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) والدلالة على الصانع لا تختص بكثير من الناس وقد قال تعالى: ( ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) فهذه صلاة وتسبيح حقيقة يعلمها الله وإن جحدها الجاهلون المكذبون، وقد أخبر تعالى عن الحجارة أن بعضها يزول عن مكانه ويسقط من خشيته، وقد أخبر عن الأرض والسماء أنهما يأذنان له وقولهما ذلك أي يستمعان كلامه وأنه خاطبهما فسمعا خطابه وأحسنا جوابه فقال لهما: ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) وقد كان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل وسمعوا حنين الجذع اليابس في المسجد، فإذا كانت هذه الأجسام فيها الإحساس والشعور فالأجسام التي كانت فيها الروح والحياة أولى بذلك وقد أشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار إعادة حياة كاملة إلى بدن قد فارقته الروح فتكلم ومشى وأكل وشرب وتزوج وولد له: ( كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم)، ( أو كالذي مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم)، وكقتيل بني إسرائيل أو كالذين قالوا لموسى: ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) فأماتهم الله ثم بعثهم من بعد موتهم وكأصحاب الكهف وقصة إبراهيم في الطيور الأربعة، فإذا أعاد الحياة التامة إلى هذه الأجساد بعد ما بردت بالموت فكيف يمتنع على قدرته الباهرة أن يعيد إليها بعد موتها حياة ما غير مستقرة يقضى بها ما أمره فيها ويستنطقها بها ويعذبها أو ينعمها بأعمالها وهل إنكار ذلك إلا مجرد تكذيب وعناد وجحود وبالله التوفيق.

[و]أنه ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه وهو ما بين الدنيا والآخرة قال تعالى: ( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة، وسمى عذاب القبر ونعيمه وأنه روضة أو حفرة نار باعتبار غالب الخلق فالمصلوب والغريق والمحرق وأكيل السباع! والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما، فقد ظن بعض الأوائل انه إذا حرق جسده بالنار وصار رماداً وذري بعضه في البحر وبعضه في البر في يوم شديد الريح أنه ينجو من ذلك فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك، فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: قم. فإذا هو قائم بين يدي الله فسأله ما حملك على ما فعلت؟. فقال: خشيتك يا رب وأنت أعلم. فما تلافاه أن رحمه فلم يفت عذاب البرزخ ونعيمه لهذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال حتى لو علق الميت على رؤوس الأشجار في مهاب الرياح لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه ونصيبه، ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه نصيبه وحظه فيجعل الله النار على هذا برداً وسلاماً والهواء على ذلك ناراً وسموماً، فعناصر العالم ومواده منقادة لربها وفاطرها وخالقها يصرفها كيف يشاء ولا يستعصى عليه منها شيء أراده، بل هي طوع مشيئته مذللة منقادة لقدرته ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين وكفر به وأنكر ربوبيته.

[و]أن الموت معاد وبعث أول فإن الله سبحانه وتعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين يجزى فيهما الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى

فالبعث الأول مفارقة الروح للبدن ومصيرها إلى دار الجزاء الأول، والبعث الثاني يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار ! وهو الحشر الثاني ولهذا في الحديث الصحيح: ( وتؤمن بالبعث الآخر)، فإن البعث الأول لا ينكره أحد وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هاتين القيامتين وهما الصغرى والكبرى في سورة المؤمنين وسورة الواقعة وسورة القيامة وسورة المطففين وسورة الفجر وغيرها من السور، وقد اقتضى عدله وحكمته أن جعلها دارى جزاء المحسن والمسئ ولكن توفية الجزاء إنما يكون يوم المعاد الثاني في دار القرار كما قال تعالى: ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة)، وقد اقتضى عدله وأوجبت أسماؤه الحسنى وكماله المقدس تنعيم أبدان أوليائه وأرواحهم وتعذيب أبدان أعدائه وأرواحهم فلا بد أن يذيق بدن المطيع له وروحه من النعيم واللذة ما يليق به، ويذيق بدن الفاجر العاصي له وروحه من الألم والعقوبة ما يستحقه.

هذا موجب عدله وحكمته وكماله المقدس، ولما كانت هذه الدار دار تكليف وامتحان لا دار جزاء لم يظهر فيها ذلك، وأما البرزخ فأول دار الجزاء فظهر فيها من ذلك ما يليق بتلك الدار وتقتضى الحكمة إظهاره، فإذا كان يوم القيامة الكبرى وفى أهل الطاعة وأهل المعصية ما يستحقونه من نعيم الأبدان والأرواح وعذابهما فعذاب البرزخ ونعيمه أول عذاب الآخرة ونعيمها وهو مشتق منه وواصل إلى أهل البرزخ هناك كما دل عليه القرآن والسنة الصحيحة الصريحة في غير موضع دلالة صريحة كقوله: ( فيفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها)، وفي الفاجر: ( فيفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها). ومعلوم قطعاً أن البدن يأخذ حظه من هذا الباب كما تأخذ الروح حظها …”

ثم قال – رحمه الله -: مسألة:

وهي قول السائل ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به ليحذر ويتقي؟

فالجواب: من وجهين مجمل ومفصل، أما المجمل فهو أن الله سبحانه وتعالى أنزل على رسوله وحيين وأوجب على عباده الإيمان بهما والعمل بما فيهما وهما الكتاب والحكمة وقال تعالى (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) وقال تعالى: )هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[، وقال تعالى: )وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ[، والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول عن الله فهو في وجوب تصديقه والإيمان به، كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكره إلا من ليس منهم، وقد قال النبي إني أوتيت الكتاب ومثله معه، وأما الجواب المفصل فهو أن نعيم البرزخ وعذابه مذكور في القرآن في غير موضع فمنها قوله تعالى: ] وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ[، وهذا خطاب لهم عند الموت وقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون، ومنها قوله تعالى: ] )فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ& النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ[، فذكر عذاب الدارين ذكراً صريحاً لا يحتمل غيره، ومنها قوله تعالى: ]فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ&يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ&وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ[، وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا وأن يراد به عذابهم في البرزخ وهو أظهر لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا وقد يقال وهو أظهر أن من مات منهم عذب في البرزخ ومن بقى منهم عذب في الدنيا بالقتل وغيره فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ، ومنها قوله تعالى:]وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [، وقد احتج بهذه الآية جماعة منهم عبد الله بن عباس على عذاب القبر وفي الاحتجاج بها شيء لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعى به رجوعهم عن الكفر ولم يكن هذا مما يخفي على حبر الأمة وترجمان القرآن لكن من فقهه في القرآن ودقة فهمه فيه فهم منها عذاب القبر فانه سبحانه أخبر أن له فيهم عذابين أدنى وأكبر فأخبر أنه يذيقهم بعض الأدنى ليرجعوا فدل على أنه بقى لهم من الأدنى بقية يعذبون بها بعد عذاب الدنيا ولهذا قال من العذاب الأدنى ولم يقل ولنذيقنهم العذاب الأدنى فتأمله، وهذا نظير قول النبي فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ولم يقل فيأتيه حرها وسمومها فإن الذي وصل إليه بعض ذلك وبقى له أكثره والذي ذاقه أعداء الله في الدنيا بعض العذاب وبقى لهم ما هو أعظم منه، ومنها قوله تعالى: ]فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ  &وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ& وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ & فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ&تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ& فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ& فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ&وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ& فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِين  &وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ&فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ& وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ&إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ&فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ[، فذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام، ومنها قوله تعالى: ] يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ& ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً& فَادْخُلِي فِي عِبَادِي& وَادْخُلِي جَنَّتِي[، وقد اختلف السلف متى يقال لها ذلك فقالت طائفة يقال لها عند الموت، وظاهر اللفظ مع هؤلاء فانه خطاب للنفس التي قد تجردت عن البدن، وخرجت منه، وقد فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم  بقوله في حديث البراء وغيره فيقال لها اخرجي راضية مرضيا عنك …، وقوله تعالى: ] فَادْخُلِي فِي عِبَادِي[ مطابق لقوله: «اللهم الرفيق الأعلى«، وأنت إذا تأملت أحاديث عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلاً وتفسيراً لما دل عليه القرآن وبالله التوفيق”.

وأهل السنة يثبتون عذاب القبر بأدلة كثيرة، ومن ذلك قول الإمام ابن كثير ( في تفسيره 4/82) في شأن عذاب آل فرعون:  “وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور وهي قوله تعالى : ] النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاًً[.

قال النووي (في شرح مسلم 17/ 201): ” مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر خلافاً للخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة نفوا ذلك.

ثم المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه أو إلى جزء منه” وبعد أن ذكر بعض من خالف في ذلك قال: “وطائفة قالوا لا يشترط  إعادة الروح، قال أصحابنا هذا فاسد؛ لأن الألم والإحساس إنما يكون في الحي، قال أصحابنا ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه كما نشاهد في العادة أو أكلته السباع أو حيتان البحر أو نحو ذلك فكما أن الله تعالى يعيده للحشر وهو سبحانه وتعالى قادر على ذلك فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه أو أجزاء وإن أكلته السباع والحيتان فإن قيل: فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره فكيف يُسأل ويُقعد ويضرب بمطارق من حديد ولا يظهر له أثر، فالجواب: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة وهو النائم، فإنه يجد لذة وآلاماً لا نحس نحن شيئاً منها، وكذا يجد اليقظان لذة وألماً لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبرئيل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره بالوحي الكريم ولا يدركه الحاضرون ، وكل هذا ظاهر جلي” .

وقال ابن أبي العز ( في شرح العقيدة الطحاوية ص 450): ” وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً وسؤال الملكين فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به ولا نتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له به في هذا الدار والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا … وليس السؤال في القبر للروح وحدها كما قال ابن حزم وغيره. وأفسد منه قول من قال: إنه للبدن بلا روح! والأحاديث الصحيحة ترد القولين وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلـة به.

واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه ما يصل إلى المقبور”.

قال الامام ابن قيم الجوزية(في كتاب الروح ص 263): ” الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام.

أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنيناً.

الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.

الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه.

الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة.

وقد ذكرنا في أول الجواب من الأحاديث والآثار ما يدلّ على ردّها إليه وقت سلام المسلّم، وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة.

الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتاً ولا نوماً ولا فساداً، … فإن النوم شقيق الموت،… فتأمل هذا يزح عنك إشكالات كثيرة)).

قال ابن رجب ( في أهوال القبور ص 180):”فهؤلاء السلف كلهم صرحوا بأن الروح تعاد إلى البدن عند السؤال، وصرح بمثل ذلك طوائف من الفقهاء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم، كالقاضي أبي يعلى وغيره، وأنكر ذلك طائفة منهم ابن حزم وغيره، وذكر أن السؤال للروح خاصة وكذلك سماع الخطاب، وأنكر ألا تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره، وقالوا: لو كان ذلك حقاً للزم الإنسان أن يموت ثلاث مرات، ويحيى ثلاث مرات، والقرآن دل على أنهما موتتان وحياتان، وهذا ضعيف جداً فإن حياة الروح ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكالحياة الآخرة بعد البعث، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما، وليس هو حياة تامة حتى يكون انفصال الروح به موتا تاما وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه ورجوعها إليه فإن ذلك يسمى موتا وحياة كما [ كان يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ] وسماه الله تعالى وفاة لقوله: ]اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى [، الآية ومع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حياً وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا توجب أن يصير حياً حياة مطلقة…”.

علق الشيخ الألباني في تحقيقه ( في الآيات البينات للآلوسي في هامش ص 137) على هذا الكلام – بعد نقله  لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قوله: ” ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله؛ وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم “- قائلاً ” وللحافظ ابن رجب تفصيل جيد … في ذلك في  كتابه ( الأهوال) ولولا خشية الإطالة لنقلته برمته”.

وقال نعمان الآلوسي ( في الآيات البينات ص 109): ” فاعلم أرشدنا الله وإياك إلى الطريق الأسلم أن المشايخ الحنفية وإن قالوا بعدم سماع الأموات كلام الأحياء إلا أنهم قالوا بأن النعيم والعذاب للروح والبدن”.

وقال – أيضاً – ص 115) “عذاب القبر للكافرين وبعض عصاة المؤمنين، وتنعيم أهل الطاعة في القبر بما يعلمه الله تعالى ويريده، والنصوص في ذلك صحيحة كثيرة يبلغ معناها حد التواتر، قال: المصنف [ قال الشيخ ناصر: يعني ابن وهبان صاحب المنظومة المتقدم]،  ومن أكلته السباع والحيتان فغاية أمره أن يكون بطن ذلك قبراً له “. باختصار”

وقال – أيضاً – ( في ص 109): “أما حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام : الحياة البرزخية – التي هي فوق حياة الشهداء الذين قال الله تعالى فيهم : ] بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [- فأمر ثابت بالأحاديث الصحيحة قال بخاري عصره شيخ مشايخنا الشيخ علي السويدي البغدادي في كتابه (العقد) [ العقد الثمين في بيان مسائل الدين] أخرج أبو يعلى والبيهقي وصححه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ” . وأخرج الإمام أحمد ومسلم في ” صحيحه ” والنسائي  عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” مررت ليلة أسري بي على موسى قائما يصلي في قبره ” … ولا تدافع بين هذا وبين رؤيته إياه تلك الليلة في السماء السادسة؛ لأن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام مسارح أو لأن أرواح الأنبياء بعد مفارقة البدن في الرفيق الأعلى، ولها إشراف على البدن وتعلق به وبهذا التعلق رآه يصلي في قبره ورآه في السماء فلا يلزم كون موسى عليه السلام عرج به من قبره ثم رد إليه، بل ذلك مقام روحه واستقرارها، وقبره مقام بدنه، واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى الأجساد، كما أن روح نبينا صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وبدنه الشريف في ضريحه المكرم يرد السلام على من يسلم عليه”.

قال العلامة الشوكاني في كتابه نيل الأوطار 2/521″ وورد النص في كتاب الله في حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد فكيف بالأنبياء والمرسلين . وقد ثبت في الحديث : ( أن الأنبياء أحياء في قبورهم ) رواه المنذري وصححه البيهقي.

وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره) [ ص 306 ].

وسئل الشيخ: إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن – رحمه الله – ( كما في الدرر السنية 1/544):  عن كيفية حياة الرسول في قبره ؟ وهل هي كحياة الشهداء ؟ أم أعلى عند الله ؟

“فأجاب .

“الجواب : وبالله التوفيق، قال الحافظ، الحجة شمس الدين: ابن القيم – رحمه الله تعالى -، لم يرد حديث صحح أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره لكن نقطع أن الأنبياء لا سيما خاتمهم، وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مرتبة من الشهداء وقد قال سبحانه وبحمده، عن الشهداء انهم: ( أحياء عند ربهم يرزقون ) فالأنبياء أولى بذلك، قال تعالى: ]وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ[ [ آل عمران : 169 ] ومع ذلك فالشهداء داخلون في قوله تعال : ( كل نفس ذائقة الموت ) [آل عمران : 185]

]إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ[ [ الزمر : 30] فاثبت سبحانه للشهداء موتاً بدخولهم في العموم كالأنبياء وهو الموت المشاهد ونفى عنهم موتاً، فالموت المثبت غير الموت المنفى، فالموت المثبت هو فراق الروح الجسد، وهو مشاهد محسوس والمنفى: زوال الحياة بالجملة من الروح والبدن، وقال البيضاوي على قوله سبحانه: ( بل أحياء ) فيه تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد، ولا بجنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي” انتهى .

وسئل الشيخ: -أيضاً –  ( 1/548): عما ورد: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى وهو يصلي في قبره، ورآه يطوف بالبيت، ورآه في السماء، وكذلك الأنبياء.

فأجاب: “هذه الأحاديث  وأشباهها تمر كما جاءت، ويؤمن بها؛ إذ لا مجال للعقل في ذلك، ومن فتح على نفسه هذا الباب هلك في جملة من هلك؛ وقد غضب مالك بن أنس لما سأله رجل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، إلى آخر كلامه، ثم قال: وما أراك إلا رجل سوء، فأمر بإخراجه؛ هذه عادة السلف.

فهذه الأحاديث التي مر البحث فيها: خاض فيها بعض الزنادقة، وصنف مصنفاً بناه عليها، وجادل، وماحل في أن من كان حيا هذه الحياة، التي أطلقت في القرآن، فينبغي أن ينادى، إذ لا فرق عند هذا الجاهل بين الحياة الحسية والبرزخية؛ لأنه اشتبه عليه أمر هذه الصلاة، وأمر هذا الرزق، ولم يعلم أنه لا خلاف، في أن أهل البرزخ يجري عليهم من نعيم الآخرة، ما يلتذون به، مما هو ليس من عمل التكليف .

ومعاذ الله: أن نعارض نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه مسلم : ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ” الخ، والحديث عام ؛ لأن المقصود به : جنس بني آدم، لأن المفرد يعم، كما هو مقرر في محاله؛ ألم يعلم المسكين : أن البرزخ طور ثان، وله حكم ثان ؟ إذ لو كان صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة، أنه يلاقي الأولياء، والأفاضل كما زعم بعض المصنفين؛ لبطل حكم الاجتهاد بعده، ولم يتراجع الصحابة رضوان الله عليهم بعده مسائل، طال فيها نزاعهم إلى زمننا هذا.

إذا تحققت هذه الإشارة، وتأملتها، فلابد أن أنقل لك كلام ابن تيمية، – قدس الله روحه -، في أحاديث السؤال .

قال ابن تيمية – رحمه الله -: أما رؤيا موسى في الطواف، فهذا كان رؤيا منام، لم يكن ليلة المعراج، كذلك جاء مفسراً، كما رأى المسيح أيضاً، ورأى الدجال، أما رؤيته ورؤية غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء، لما رأى آدم في السماء الدنيا ورأى يحيى، وعيسى؛ فهذا: رأى أرواحهم مصورة في صورة أبدانهم؛ وقد قال بعض الناس، لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور؛ وهذا: ليس بشيء، لكن عيسى صعد إلى السماء بروحه وجسده، وكذلك إدريس .

وأما كونه رأى موسى يصلي في قبره، ورآه في السماء أيضاً، فهذان: لا منافاة بينهما، فإن أمر الأرواح من جنس أمر الملائكة، في اللحظة الواحدة: تصعد وتهبط كالملك، ليست كالبدن، وقد: بسطت الكلام في أمر الأرواح بعد مفارقة الأبدان، وذكرت الأحاديث والآثار في ذلك، بما هذا ملخصه.

وهذه الصلاة: مما يتنعم بها الميت، ويستمتع بها، كما يتنعم أهل الجنة بالتسبيح؛ فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهم الناس النفس في الدنيا، فهذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب به ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل هو من النعيم الذي تتنعم به النفس، وتلتذ به، انتهى كلامه.

فعلم من كلامه: أن أرواحهم صورت في صور أبدانهم التي في القبور، فاجتمعت النصوص، وزال الأشكال، والله أعلم .

وسئل: – رحمه الله –  عن الذي أمر بأن يذر في البحر … الخ .

فأجاب : الذي أمر بأن يذر في البحر، خوفاً من الله، لم يكن شاكاً في القدرة، إنما ظن أن جمعه بعد ذلك من قبيل المحال الذي ما من شأن القدرة أن تتعلق به؛ وهذا: باب واسع، والله أعلم” .

وقال الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين – رحمه الله – ( كما في الدرر السنية 1/545): في رده على العراقي “ويدل على بطلان دعوى من ادعى: أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره كحياته لما كان على وجه الأرض، ما رواه أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم ” ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ” فهذا يدل على أن روحه الشريفة ليست في بدنه، وإنما هي في أعلى عليين، ولها اتصال بالجسد، والله أعلم بحقيقته، لا يدركه الحس، ولا العقل .

وليس ذلك خاصاً به صلى الله عليه وسلم، لحديث تقدم عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : ” ما من مسلم يمر بقبر أخيه، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ” وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم ” إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في رياض الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش ” الحديث . وقد أخبر الله سبحانه أنهم في البرزخ ( أحياء عند ربهم يرزقون ) وقال أبو بكر الصديق: أما الموتة التي كتبت عليك، فقدمتها، ولن يجمع الله عليك موتتين؛ وقد قام الدليل القاطع: أنه عند النفخة في الصور، لا يبقى أحد حياً، فلو كان الأمر كما يزعمون، لكان الله قد يجمع عليه موتتين .

ولما قال صلى الله عليه وسلم: ” أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي ” قالوا: كيف تعرض عليك، وقد أرمت – يعني بليت – قال :” إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ” ولم يقل لهم : أنا حي في قبري، كحياتي الآن صلوات الله وسلامه عليه.

وقال – أيضاً-: ومقتضى قول من قال : ليس إلا أن غيبوا عنا، أنه يجوز أن يقال في الملائكة، إنهم أموات، لكونهم مغيبين عنا…”.

وقال الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر – رحمه الله – ( كما في الدرر السنية 1/547): “وأما الكلام على حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فاعتقادنا في ذلك، اعتقاد سلف الأمة وأئمتها، وهم الأسوة؛ وهي: أنه صلى الله عليه وسلم قبض ودفن، وزالت عنه الحياة الدنيوية، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قبله، قال: طبت حياً وميتاً .. الخ، وأما حياة البرزخ، فهو حي الحياة البرزخية، وكذلك الشهداء، فلو كان حياً حياة دنيوية، لرفعوا إليه الأمر، فيما جرى بينهم، رضوان الله عليهم أجمعين، ولما عدلوا إلى التوسل بدعاء العباس” .

وفي فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم: (4283) برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وعضوية نائبه الشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ عبد الله بن قعود، والشيخ عبد الله بن غديان ” إن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة برزخية يحصل له بها التنعم في قبره بما أعده الله له من النعيم جزاء له على أعماله العظيمة الطيبة التي قام بها في دنياه، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، ولم تعد إليه روحه ليصير حيا كما كان في دنياه ولم تتصل به وهو في قبره اتصالا يجعله حياً كحياته يوم القيامة، بل هي حياة برزخية وسط بين حياته في الدنيا وحياته في الآخرة…”

وسئلت اللجنة ( كما في الفتوى رقم1979، وفتاوى اللجنة 3/318، ومن فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز واللجنة الدائمة للإفتاء ص 193،والثمار اليانعة لعبد الله بن جار الله ص175): ” سمعت من علماء الإسلام أن الميت يصير حياً في القبر، ويجيب على سؤال الملائكة، ويعذب إذا بان منه الكفر وعدم الاستقامة في الإسلام في الحياة الدنيا، وإني كملمّ بمبادئ الإسلام لم أجد في القرآن الكريم أي برهان صريح يدل على سؤال القبر وعقابه…، وبالنهاية أرجو يا صاحب الفضيلة أن أجد منكم جواباً شافياً كما كانت إجاباتكم الدينية دائماً؟

فأجاب سماحته ومعه بقية الأعضاء:

أولاً: أدلة الأحكام الشرعية كما تكون من القرآن الكريم تكون من السنة الصحيحة الثابتة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريراً لعموم أمره تعالى بأخذ ما جاءنا من نصوص الكتاب والسنة لقوله تعالى:]وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، إنما يشرع لنا بوحي من الله تعالى كما قال سبحانه :]وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى&

عن الهوى &إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى&عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى[ الآيات؛ ولأن اتباعه صلى الله عليه  وسلم فيما جاء به عموماً دليل على الإيمان بالله ومحبته سبحانه، ويترتب عليه محبة الله، ومغفرته لمن اتبعه كما قال تعالى:]قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم [، ولأمره تعالى بطاعته صلى الله عليه  وسلم وحكمه بأن طاعته طاعة لله قال تعالى:]قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ[، وقال:]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا[، وقال:]مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [ إلى غير ذلك من آيات القرآن التي أمرت بطاعة الرسول صلى الله عليه  وسلم واتباعه وأخذ ما ثبت عنه والعمل به.

فالسنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم حجة تثبت بها الأحكام عقيدة وعملاً كما أن آيات القرآن حجة تثبت بها الأحكام صراحة واستنباطاً على مقتضى قواعد اللغة العربية وطريقة العرب في فهمهم للغتهم.

ثانياً: عذاب الكافرين في قبورهم ممكن عقلاً وقد دل القرآن الكريم على وقوعه من ذلك قوله تعالى:] وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ&النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [، فهذا بين واضح في إثبات العذاب في القبر بالنار؛ لأنه لا غدو ولا عشي يوم القيامة ولقوله في ختام الآية ]وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [، فإنه يدل على عذاب أدنى قبل قيام الساعة وهو عرضهم على النار. وما هو إلا عذاب القبر وفرعون وآله ومن سواهم من الكافرين سواء في حكم الله وعدله في الجزاء ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:]فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ& يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ&وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [، فإنه يدل على تعذيب الكافرين عذاباً أدنى قبل قيام الساعة وهو عام لما يصيبهم الله تعالى به في الدنيا وما يعذبهم به في قبورهم قبل أن يبعثوا منها إلى العذاب الأكبر وثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه  وسلم كان يستعيذ في صلاته من عذاب القبر ويأمر أصحابه بذلك وثبت أنه بعد أن صلى صلاة كسوف الشمس وخطب الناس أمرهم أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر واستعاذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات في بقيع الغرقد حينما كان يلحد لميت من أصحابه ولو لم يكن عذاب القبر ثابتاً لم يستعذ بالله منه ولا أمر أصحابه به.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن قوله تعالى :] يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [، يدخل فيه تثبيت المؤمن وخذلان الكافر عند سؤال كل منهما في قبره وأن المؤمن يوفق في الإجابة وينعم في قبره وأن الكافر يخذل ويتردد في الإجابة ويعذب في قبره وسيجيء ذلك في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قريباً ومن أدلة عذاب القبر أيضاً ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه  وسلم مر بقبرين فقال:” إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين وغرز على كل قبر واحدة، وقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا”.

وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت سؤال الميت في قبره، وثبوت نعيمه فيه أو عذابه حسب عقيدته وعمله, بما لا يدع مجالاً للشك في ذلك.

ولم يعرف عن الصحابة رضي الله عنهم في ثبوت ذلك خلاف، ولذا قال بثبوته أهل السنة والجماعة، ومما ورد في ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه والحاكم وأبو عوانه الإسفرائيني في صحيحيهما عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا حوله كأن على رؤسنا الطير، وهو يلحد، فقال: «أعوذ بالله من عذاب القبر» ثلاث مرات ثم قال« إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه الملائكة كأن على وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة فجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول:« يا أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان» قال: ( فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين. حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون بها يعني على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله فيقول الله عز وجل:” اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى” قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك ،فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما علمك، فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة. وافتحوا له باباً إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول: يا رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب قال: فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتحوا له فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط” ويقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحاً ثم قرأ ]وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [ فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث  فيقول:رب لا تقم الساعة”.

ثالثاً: ليس بمحال في المعقول أن تسأل الملائكة الأموات في قبورهم وأن يجيبهم الأموات أو يخذلوا جزاء وفاقاً بما قدموا وليس ببعيد في عظيم قدرة الله تعالى ومن عجائب سننه الكونية أن ينعم المؤمنين في قبورهم ويعذب الكافرين فيها فإن من أمعن النظر في الكون وضح له عموم مشيئة الله ونفاذها وشمول قدرته تعالى وكمالها وإحكام خلقه ودقة تدبيره وإبداعه لما صوره وسهل عليه اعتقاد ما وردت به النصوص الصحيحة في سؤال المقبورين ونعيمهم أو عذابهم وقد ثبت فيها أن الله تعالى يعيد الروح إلى من مات بعد دفنه إعادة تجعله حياً حياة برزخية وسطاً بين حياته في دنياه وحياته بعد أن يبعثه الله يوم القيامة وهذه الحياة الوسط بين الحياتين تؤهله لسماع السؤال والإجابة عنه إذا وفق وتجعله يحس بالنعيم أو العذاب وقد تقدمت الأحاديث في ذلك ولله في تدبيره وخلقه شؤون لا تحيط بها العقول لقصورها ولا تحيلها بل تحكم بإمكانها وإن كانت تحار في تعليلها وتعجز عن الوقوف على كنهها وحقيقتها وعن معرفة مداها وغاياتها فعلى الإنسان إذا عجز عن شيء وخفي عليه أمره أن يتهم نفسه بالقصور ولا يتهم ربه في علمه وحكمته وقدرته…”

وسئل سماحته – أيضاً – (كما في مجموع فتاواه 8/ 338): “إذا قيل إن الميت يحيى في القبر، فهل هي نفس حياته الأولى؟ وكم حاسة ترجع إليه؟ وإلى كم تبقى حياته في القبر؟ وإذا كان الميت تسأل جثته، فما مصير الذين يحرقون مثل الهندوس واليابان وغيرهم؟ وأين يتم سؤالهم؟ إن الطبيب عندما يجري العملية يبعد الحواس لدى الإنسان عنه بمخدر.. أما هذا الموت فإني أتساءل كيف هو؟

فأجاب:

” أولاً: ينبغي أن يعلم أن الواجب على كل مؤمن ومؤمنة التصديق بما أخبر الله به في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من جميع الأمور المتعلقة بالآخرة والحساب والجنة والنار، وفيما يتعلق بالموت والقبر وعذابه ونعيمه، وسائر أمور الغيب مما جاء في القرآن الكريم، أو صحت به السنة المطهرة، فعلينا الإيمان والتسليم والتصديق بذلك؛ لأننا نعلم أن ربنا هو الصادق فيما يقوله سبحانه وفيما يخبر به جل وعلا، لقوله تعالى: ]وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا[ وقوله سبحانه: ]وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا[، ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق الناس، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فما ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة، وجب التصديق به، وإن لم نعرف حقيقته. فالواجب علينا أن نصدق بما جاء به من أمر الآخرة، وأمر الجنة والنار، ومن نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وكون العبد في القبر يعذب أو ينعم، وترد إليه روحه، كل هذا حق جاءت به النصوص، فعلى العبد، أن يسلم بذلك، ويصدق بكل ما علمه من القرآن، أو صحت به السنة، أو أجمع عليه علماء الإسلام. ثم إذا مَنَّ الله على المؤمن والمؤمنة بمعرفة الحكمة في ذلك والأسرار فهذا خير إلى خير، ونور على نور، وعلم إلى علم، فليحمد الله وليشكره على ما أعطاه من العلم والبصيرة في ذلك، التي منَّ الله عليه بها حتى زاد علمه، وزادت طمأنينته.

أما ما يتعلق بالسؤال في القبر وحال الميت فإن السؤال حق، والميت ترد إليه روحه، وقد صحت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحياة الميت في قبره غير حياته الدنيوية، بل هي حياة خاصة برزخية، ليست من جنس حياته في الدنيا التي يحتاج فيها إلى الطعام والشراب ونحو ذلك، بل هي حياة خاصة يعقل معها السؤال والجواب، ثم ترجع روحه بعد ذلك إلى عليين، إن كان من أهل الإيمان، وإن كان من أهل النار إلى النار، لكنها تعاد إليه وقت السؤال والجواب، فيسأله الملكان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يقول: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، هكذا يجيب المؤمن والمؤمنة، ويقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ “محمد صلى الله عليه وسلم” فيقول: هو رسول الله، جاءنا بالهدى، فآمنا به وصدقناه، واتبعناه، فيقال له: قد علمنا إن كنت لمؤمناً، ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها، ويقال: هذا مكانك حتى يبعثك الله إليه، ويرى مقعده من النار، ويقال: هذا مكانك لو كفرت بالله، أما الآن فقد أعاذك الله منه، وصرت إلى الجنة. أما الكافر فإذا سئل عن ربه ودينه ونبيه، فإنه يقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين – يعني الجن والإنس – وتسمعها البهائم، فيفتح له باب إلى النار، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويكون قبره عليه حفرة من حفر النار، ويفتح له باب إلى النار يأتيه من سمومها وعذابها، ويقال: هذا مكانك حتى يبعثك الله إليه، ويفتح له باب إلى الجنة فيرى مقعده من الجنة، ويقال له: هذا مكانك لو هداك الله. وبذلك يعلم أن القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار.

والعذاب والنعيم للروح والجسد جميعاً في القبر، وهكذا في الآخرة في الجنة أو في النار. أما من مات بالغرق أو بالحرق أو بأكل السباع فإن روحه يأتيها نصيبها من العذاب والنعيم، ويأتي جسده من ذلك في البر أو البحر، أو في بطون السباع ما شاء الله من ذلك، لكن معظم النعيم والعذاب على الروح التي تبقى، إما منعمة وإما معذبة. فالمؤمن تذهب روحه إلى الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن روح المؤمن طائر يَعلَق في شجر الجنة يأكل من ثمارها، والكافر تذهب روحه إلى النار))، فالواجب على كل مسلم ومسلمة الاطمئنان إلى ما أخبر به الله عز وجل، وأخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يصدق بذلك على الوجه الذي أراده الله عز وجل، وإن خفي على العبد بعض المعنى، فلله الحكمة البالغة سبحانه”.

وسئل سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله ( كما في فتاواه: المجلد الثامن والعشرون) .

“ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في عذاب القبر، وهل هو على الروح فقط، أو على الروح والجسد؟”

فأجاب سماحته:

“من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيـمان بعذاب القبر ونعيمه، الميت إما أن ينعم وإما أن يعذب، أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، وقد أخبر النبي بهذا عليه الصلاة والسلام: فالقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، فعلى المسلم أن يؤمن بهذا. وقد أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على شخصين يعذبان، أحدهما كان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يتنـزه من بوله.

أهل السنة والجماعة يؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، أنه حق على الروح والجسد جميعاً، ولكن نصيب الروح أكثر.

كما قال الله جـل وعـلا في آل فرعـون: ]النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا[، فهكذا الميت الصالح ينعم في قبره، وغير الصالح يعذب في قبره، ويوم القيامة العذاب أشد، والنعيم أعظم، بعد البعث والنشور”.

وسئل سماحته – أيضاً – (كما في فتاواه: 2/ 386): “هل الرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره أم لا؟ وهل يعلم في قبره بأمور الدنيا؟ وهل هذه العقيدة شرك أم لا؟”

فأجاب:

“قد صرح الكثيرون من أهل السنة بأن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة برزخية لا يعلم كنهها وكيفيتها إلا الله سبحانه، وليست من جنس حياة أهل الدنيا بل هي نوع آخر يحصل بها له صلى الله عليه وسلم الإحساس بالنعيم، ويسمع بها سلام المُسَلّم عليه عندما يرد الله عليه روحه ذلك الوقت، كما في الحديث الذي رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام))، وخرّج البزار بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام))، وأخرج أبو داود بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجعلوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)).

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهذه الحياة البرزخية أكمل من حياة الشهداء التي أخبر الله عنها سبحانه بقوله: ]وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ[، وفي قوله عز وجل: ]وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ[، وروحه عليه الصلاة والسلام في أعلى عليين عند ربه عز وجل، وهو أفضل من الشهداء فيكون له من الحياة البرزخية أكمل من الذي لهم، ولكن لا يلزم من هذه الحياة أنه يعلم الغيب أو يعلم أمور أهل الدنيا بل ذلك قد انقطع بالموت لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) أخرجه مسلم في صحيحه، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((يذاد رجال يوم القيامة عن حوضي فأقول: يا رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ]وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[ )) متفق على صحته، والأحاديث في هذا الباب كثيرة وهو صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب في حياته، فكيف يعلمه بعد مماته.

وقد قال الله سبحانه: ]قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ[، وقال عز وجل آمرا نبيه أن يبلغ الناس: ]قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ[، وقال تعالى: ]قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[، والآيات الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب كثيرة وهكذا غيره من الناس من باب أولى، ومن ادعى أنه يعلم الغيب فقد أعظم على الله الفرية، كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ولما قذف بعض الناس زوجته عائشة رضي الله عنها في بعض غزواته وأشاع ذلك بعض المنافقين ومن قلدهم لم يعلم النبي براءتها حتى نزل القرآن بذلك، ولو كان يعلم الغيب لقال لها وللناس أنها بريئة ولم ينتظر نزول الوحي في ذلك، وهكذا لما ضاع عقدها في بعض أسفاره بعث أصحابه يلتمسونه فلم يجدوه ولم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم مكانه حتى أقاموا البعير الذي كانت تحمل عليه فلما أقاموه وجدوه تحته، والأحاديث في ذلك كثيرة وفيما ذكرت إن شاء الله كفاية”.

وعلق على فتح الباري (3/238) عند ذكر ابن حجر لرواية ابن حبان لحديث البراء بن عازب :”فيزداد غبطة وسروراً فيعاد الجسد إلى ما بدأ منه وتجعل روحه في نسم طائر يعلق في شجر الجنة”

فقال سماحته:” خرج الإمام أحمد عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه”، قال الحافظ ابن كثير في إسناد هذا الحديث إنه إسناد صحيح عزيز عظيم قال: ومعنى يعلق أي يأكل.

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود مرفوعاً:” أرواح الشهداء في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل” الحديث.

وعلق سماحته في (3/243) على تعليق الحافظ بعد حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده في الغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة” قال الحافظ:”ووقع عند مسلم بلفظ :”إن كان من أهل الجنة فالجنة “:أي فالمعروض الجنة. وفي هذا الحديث إثبات عذاب القبر وأن الروح لا تفنى بفناء الجسد لأن العرض لا يقع إلا على حي. وقال ابن عبد البر: استدل به على أن الأرواح على أفنية القبور. قال: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها لا أنها لا تفارق الأفنية بل هي كما قال مالك إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت”.

فعلق سماحته على الأرواح على أفنية القبور فقال:” ما قاله ابن عبد البر ومالك في الأرواح ضعيف مخالف لظاهر القرآن الكريم وقد دل ظاهر القرآن على أن الأرواح ممسكة عند الله سبحانه وينالها من العذاب والنعيم ما شاء الله من ذلك، ولا مانع من عرض العذاب والنعيم عليها وإحساس البدن أو ما بقي منه بما شاء الله من ذلك كما هو قول أهل السنة والدليل المشار إليه قوله تعالى:] الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى[  وقد دلت الأحاديث على إعادتها إلى الجسد بعد الدفن عند السؤال، ولا مانع من إعادتها إليه فيما يشاء الله من الأوقات كوقت السلام عليه وثبت في الحديث الصحيح أن أرواح المؤمنين في شكل طيور تعلق بشجر الجنة، وأرواح الشهداء طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت.. الحديث والله أعلم”. اهـ

قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – ( في شرح لمعة الاعتقاد ص  112): ” عذاب القبر أو نعيمه حق ثابت بظاهر القرآن وصريح السنة وإجماع أهل السنة”.

وبعد أن ذكر الدليل من القرآن، ومن الحديث، ووثقه قال: ” وقد اتفق السلف وأهل السنة على إثبات عذاب القبر ونعيمه، ذكره ابن القيم في كتاب (الروح)،  وأنكر الملاحدة عذاب القبر متعللين بأننا لو نبشنا القبر لوجدناه كما هو،  ونرد عليهم بأمرين:

1 – دلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف.

2 – أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا فليس العذاب أو النعيم في  القبر كالمحسوس في الدنيا”

ثم قال: ” قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « مذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب والنعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة وأنها تتصل بالبدن أحياناً فيحصل معها النعيم أو العذاب»”.

وفي الفتوى رقم ( 156، وفتاوى في أحكام الجنائز ص435): سئل  – رحمه الله – كيف نجيب من ينكر عذاب القبر ويحتج بأنه لو كشف القبر لوجد لم يتغير ولم يضق ولم يتسع؟ فأجاب بقوله : يجاب من أنكر عذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لوجد أنه لم يتغير بعدة أجوبة منها:

أولاً: أن عذاب القبر ثابت بالشرع قال الله تعالى في آل فرعون : ] النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب[ وقوله ، صلى الله عليه وسلم : “فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع ثم أقبل بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار ، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال : تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا : نعوذ بالله من عذاب القبر” . وقول النبي صلى الله عليه وسلم في المؤمن : “يفسح له في قبره مد بصره” إلى غير ذلك من النصوص فلا يجوز معارضة هذه النصوص بوهم من القول بل الواجب التصديق والإذعان.

ثانياً: أن عذاب القبر على الروح في الأصل، وليس أمراً محسوساً على البدن فلو كان أمراً محسوساً على البدن لم يكن من الإيمان بالغيب ولم يكن للإيمان به فائدة لكنه من أمور الغيب، وأحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا.

ثالثاً : أن العذاب والنعيم وسعة القبر وضيقه ، إنما يدركه الميت دون غيره والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم وذاهب وراجع، وضارب ومضروب ، ويرى أنه في مكان ضيق موحش ، أو في مكان واسع بهيج ، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به. والواجب على الإنسان في مثل هذه الأمور أن يقول : سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا”.

وسئل فضيلته ( كما في فتاوى في أحكام الجنائز ص441) هل سؤال الميت في قبره حقيقي وأنه يجلس في قبره ويناقش؟

فأجاب بقوله: سؤال الميت في قبره حقيقي بلا شك والإنسان في قبره يجلس ويناقش ويسأل.

فإن قال قائل إن القبر ضيق فكيف يجلس؟! فالجواب: أولاً: أن الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدق، ولا يسأل كيف؟ ولم؟ لأنه لا يسأل عن كيف ولم إلا من شك وأما من آمن وانشرح صدره لأخبار الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيسلم ويقول الله أعلم في كيفية ذلك.

ثانياً: أن تعلق الروح بالبدن في الموت ليس كتعلقها به في حال اليقظة، فللروح مع البدن شؤون لا يدركها الإنسان، وتعلقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يقاس بتعلقها به في حال الحياة وها هو الإنسان في منامه يرى أنه ذهب وجاء وسافر وكلم أناساً وألتقى بأناس، أحياء وأموات ويرى أن له بستاناً جميلاً، أو داراً موحشة مظلمة، ويرى أنه راكب على سيارة مريحة، ويرى مرة أنه راكب على سيارة مقلقة، كل هذا يمكن مع أن الإنسان على فراشه ما تغير حتى الغطاء الذي عليه لم يتغير، ومع ذلك فإننا نحس بهذا إحساساً ظاهراً، فتعلق الروح بالبدن بعد الموت يخالف تعقلها به في اليقظة أو في المنام ولها شأن آخر لا ندركه نحن، فالإنسان يمكن أن يجلس في قبره ويسأل ولو كان القبر محدوداً ضيقاً.

هكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فمنه البلاغ وعلينا التصديق والإذعان قال الله تعالى:] فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما[  [ النساء: 65]”.

قلت: وما كان من أجوبة للشيخ في هذه المسألة الخطيرة فيها تردد أو إجمال أو غير واضحة تحمل على هذه الأجوبة الصريحة الواضحة الجلية الموافقة لمعتقد الشيخ الذي هو معتقد أهل السنة والجماعة.

قال الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – (في: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد ص223، – مثلما قال شيخ الإسلام ابن تيمية-): عن عذاب القبر ونعيمه:

“مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب ، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه ، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعَّمة أو معذَّبة ، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ، ويحصل له معها النعيم أو العذاب ، فأهل السنة والجماعة يتفقون على أن النفس تنعم وتعذب منفردة عن البدن ، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها ، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين ، كما يكون ذلك على الروح منفردة عن البدن.”

وسئل (كما في شرحه لكتاب: شرح السنة للبربهاري- الشريط رقم:4 ):

أحسن الله إليكم صاحب الفضيلة، وهذا سائل يقول: هل العذاب في القبر على الجسد أم على الروح؟
فأجاب: ” على الجميع على الجميع، لا يقال على الجسد فقط، ولا يقال على الروح فقط، وإنما يقال على الجميع…”
وسئل – أيضاً – (صوتياً- كما في موقعه على الانترنت): أحسن الله إليكم يا شيخ، يقول السائل: ما هو قول أهل السنة والجماعة في عذاب القبر ؟ هل هو على الجسد والروح معاً أم على الروح فقط ؟.

فأجاب: “بل هو على الجسد والروح جميعاً، هذا هو الأصل، والإنسان يكون بجسده وبروحه لا يكون بروحه فقط أو بجسده فقط، وإنما الإنسان يكون بروحه وجسده ولو كان جسده تراباً، لو تحول جسده إلى تراب فإنه يصل إليه العذاب و العياذ بالله.”

وقال حفظه الله في شرحه للمعة الاعتقاد ص192 عند شرحه لقول ابن قدامة ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم صح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه أو جهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه:”يعني لا فرق بين ما نشاهده وما لم نشاهده، يجب أن نؤمن بالجميع كأنك تشاهد الغائب؛ لأنه أخبرك عنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، فهو مثل الذي تشاهده سواء بسواء، وسواء في ذلك ما تصورته عقولنا وما لم تتصوره عقولنا، العقول ليس لها دخل في هذا، أمور الغيب لا تتصورها العقول مثلاً عذاب القبر وأنه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، لا تتصور هذا عقول البشر، ولهذا يقول بعضهم: يقولون: يصير الميت تراباً ولو حفرنا قبراً ما وجدنا عنده ناراً وما جدنا عنده جنة. نقول: هذا ليس من العالم المشاهد عالم الدنيا، هذا من عالم الآخرة الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، وأنت لا تحس به، وليس من لازم صحة الشيء ووقوعه أنك تشاهده، هناك أشياء موجودة وأنت لا تراها ولا تشاهدها وهي موجودة وأنت لا تدركها أبداً.

مثلا-مما يقرب هذا- ينام اثنان بعضهم إلى جانب بعض، هذا ينام نوماً هادئاً ومريحاً ولذيذاً، وهذا ينام نوماً مقلقلاً ومزعجاً مليئاً بالأحلام المزعجة والمنغصات في نومه. وهذا إلى جانب هذا، ولا هذا يحس بهذا، ولا هذا يحس بهذا. فإذا كان هذا في أمور الدنيا فكيف بأمور الآخرة التي لا يعلمها إلا الله كذلك الأموات منهم من هو في نعيم ومنهم من هو في عذاب وإن كان بعضهم إلى جانب بعض فلا هذا يحس بنعيم هذا ولا هذا يحس بعذاب هذا، كل يتعلق به حكمه. هذه قدرة الله- جل وعلا-التي لا يعجزها شيء، والله حجب عنا أمور الآخرة؛ وعذاب القبر من أمور الآخرة، وإنما نحن نؤمن به بناء على خبر الرسول صلى الله عليه وسلم فنؤمن أن الميت يعذب أو ينعم وإن كنا لا نحس بهذا ولا نراه، وفي حجبه عنا رحمة بنا يقول صلى الله عليه وسلم:” لولا أن لا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب أهل القبور ما أسمعني” فالله –جل وعلا- حجب هذا عنا رحمة بنا. فالميت يضرب في قبره فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين ولو سمعها الإنسان لصعق، يعني لمات، فمن رحمة الله أن حجب هذا عنا ولا نسمعه ولا نراه رحمة بنا، فأمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، وأول أمور الآخرة عذاب القبر فهو أول منزل من منازل الآخرة، وما يجري فيه فهو من عالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.” .
وسئل – أيضاً – (صوتياً كما في موقعه على الانترنت): أحسن الله إليكم صاحب الفضيلة، يقول [ السائل]: إن بعض المشايخ في إحدى القنوات الفضائية يقول: إن العذاب في القبر على الروح فقط هل هذا القول صحيح؟.

فأجاب: “… الله أثبت عذاب القبر، والنبي صلى الله عليه و سلم أثبت عذاب القبر، ويكون على الروح وعلى البدن وإن تحلل البدن وصار تراباً، فالله قادر على أن يعذبه وهو تراب، الله قادر على كل شيء، لا يجوز للإنسان أن يتكلم في أمور الغيب بعقل أو بظن أو بما يعتقده، بل يتوقف على ما جاء بالدليل فقط ولا يتكهن”.

وقال الشيخ العلامة حافظ حكمي (في معارج القبول 2/136): ” الروح التي عليها العذاب أو النعيم المتصل بالجسم ألمه ليس بمدرك في الدنيا، ولا يعلمه إلا الله، فمن كان لا يدرك روح من يمشي معه ويكلمه ويأتمنه ويعامله فكيف يدركه إذا صار من عالمَ الآخرة ليس من عالم الدنيا، وأيضا فاحتجاب ذلك عن أهل الدنيا من حكمة الله تعالى البالغة ورحمته بهم،  وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله عز وجل أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع، وأيضا فأكثر أمور الإيمان اعتقادات باطنة منا لأمور غائبة عنا، وهي أعلى صفات أهل الإيمان]الذين يؤمنون بالغيب[ البقرة 3، وذلك غائب عنا في الحياة الدنيا، ونحن نعلمه عن الله علم اليقين، فإذا خرجنا من هذه الدار صار الغيب شهادة، ورأينا ذلك عين اليقين ]بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين[ يونس: 39، والذي أحرقت أعضاؤه وتفرقت أجزاؤه يجمعه الذي أبدأه من لا أجزاء ولا أعضاء”

 

قول المدخلي: “أول من ينشق عنه القبر محمد صلى الله عليه  وسلم؛ أول من يبعث عليه الصلاة والسلام”.

يشكل عليه:

الحديث: (إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش).

ولم يشر المدخلي إلى حل هذا الإشكال، وقد قال ابن القيم – رحمه الله- في حله (في كتاب الروح 1/244):” :”وصعق الأرواح عند النفخ في الصور ولا يلزم منه موتها، ففي الحديث الصحيح:( أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة العرش فلا أدرى أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور)

فهذا صعق في موقف القيامة إذا جاء الله تعالى لفصل القضاء وأشرقت الأرض بنوره فحينئذ تصعق الخلائق كلهم قال تعالى:]فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [ ولو كان هذا الصعق موتاً لكانت موتة أخرى، وقد تنبه لهذا جماعة من الفضلاء، فقال أبو عبد الله القرطبى: ظاهر هذا الحديث أن هذه صعقة غشي تكون يوم القيامة لا صعقة الموت الحادثة عن نفخ الصور. قال: وقد قال شيخنا أحمد بن عمرو: وظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن هذه الصعقة إنما هي بعد النفخة الثانية نفخة البعث ونص القرآن يقتضى أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق ولما كان هذا قال بعض العلماء يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء وهذا باطل وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشور حين تنشق السموات والأرض قال: فتستقل الأحاديث والآثار”.

إلى أن قال(1/248): “قال أبو عبد الله القرطبي: إن حمل الحديث على صعقة الخلق يوم القيامة فلا إشكال وإن حمل على صعقة الموت عند النفخ في الصور فيكون ذكر يوم القيامة يراد به أوائله فالمعنى إذا نفخ في الصور نفخة البعث كنت أول من يرفع رأسه فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدرى أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور

قلت وحمل الحديث على هذا لا يصح لأنه صلى الله عليه  وسلم تردد هل أفاق موسى قبله أم لم يصعق بل جوزي بصعقة الطور فالمعنى: لا أدرى أصعق أم لم يصعق. وقد قال في الحديث: (فأكون أول من يفيق). وهذا يدل على أنه يصعق فيمن يصعق وأن التردد حصل في موسى هل صعق وأفاق قبله من صعقته أم لم يصعق ولو كان المراد به الصعقة الأولى وهي صعقة الموت لكان قد جزم بموته وتردد هل مات موسى أم لم يمت وهذا باطل لوجوه كثيرة فعلم أنها صعقة فزع لا صعقة موت وحينئذ فلا تدل الآية على أن الأرواح كلها تموت عند النفخة الأولى نعم تدل على أن موت الخلائق عند النفخة الأولى وكل من لم يذق الموت قبلها فإنه يذوقه حينئذ وأما من ذاق الموت أو من لم يكتب عليه الموت فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية والله أعلم.

فإن قيل فكيف تصنعون بقوله في الحديث: ( أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش)، قيل لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا ومنه نشأ الإشكال ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث فركب بين اللفظين فجاء هذا، والحديثان هكذا:

أحدهما: (أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق).

والثاني هكذا: «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة»، ففي الترمذي وغيره من حديث أبى سعيد الخدري قال، قال رسول الله: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ -آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر»، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح[3] [ورواه أحمد في المسند، من حديث أبي بكر الصديق (الحديث رقم15) ، في حديث الشفاعة بلفظ « أي رب، خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة»، وهو حديث حسن].

فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر، وكان شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزي يقول ذلك”.

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – ( في الفتح 6/444): ” قوله: ” فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق”، في رواية إبراهيم بن سعد ” فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق”، لم يبين في رواية الزهري من الطريقين محل الإفاقة من أي الصعقتين.

ووقع في رواية عبد الله بن الفضل: ” فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث”، وفي رواية الكشميهني: ” أول من يبعث”.

والمراد بالصعق: غشي يلحق من سمع صوتاً أو رأى شيئاً يفزع منه.

وهذه الرواية ظاهرة في أن الإفاقة بعد النفخة الثانية، وأصرح من ذلك رواية الشعبي عن أبي هريرة في تفسير الزمر بلفظ ” إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة”، وأما ما وقع في حديث أبي سعيد «فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض»، كذا وقع بهذا اللفظ في كتاب: الإشخاص، ووقع في غيرها « فأكون أول من يفيق»، وقد استُشْكِل، وجزم المزي فيما نقله عنه ابن القيم في كتاب الروح أن هذا اللفظ وَهَمٌ من راويه وأن الصواب ما وقع في رواية غيره « فأكون أول من يفيق»، وأن كونه صلى الله عليه  وسلم أول من تنشق عنه الأرض صحيح، لكنه في حديث آخر ليس فيه قصة موسى”.

إلى أن قال: “وقال عياض: (يحتمل أن يكون المراد صعقة الفزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض). وتعقبه القرطبي بأنه صرح صلى الله عليه  وسلم بأنه حين يخرج من قبره يلقى موسى وهو متعلق بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث.انتهى.

ويرده قوله صريحاً كما تقدم: (أن الناس يصعقون فأصعق معهم)، إلى آخر ما تقدم، قال: ويؤيده أنه عبر بقوله  : (أفاق) لأنه إنما يقال: أفاق من الغشي وبعث من الموت، وكذا عبر عن صعقة الطور بالإفاقة؛ لأنها لم تكن موتاً بلا شك وإذا تقرر ذلك كله ظهر صحة الحمل على أنها غشية تحصل للناس في الموقف، هذا حاصل كلامه وتعقبه”.

ثم قال ابن القيم – رحمه الله – ” فإن قيل فما تصنعون بقوله: فلا أدرى أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله عز وجل والذين استثناهم الله إنما هم مستثنون من صعقة النفخة لا من صعقة يوم القيامة كما قال الله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله) ولم يقع الاستثناء من صعقة الخلائق يوم القيامة قيل هذا والله أعلم غير محفوظ وهو وهم من بعض الرواة، والمحفوظ ما تواطأت عليه الروايات الصحيحة من قوله: (فلا أدرى أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور) فظن بعض الرواة أن هذه الصعقة هي صعقة النفخة، وأن موسى داخل فيمن استثنى منها وهذا لا يلتئم على مساق الحديث قطعاً فإن الإفاقة حينئذ هي إفاقة البعث فكيف يقول لا أدرى أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور فتأمله، وهذا بخلاف الصعقة التي يصعقها الخلائق يوم القيامة إذا جاء الله سبحانه لفصل القضاء بين العباد وتجلى لهم فإنهم يصعقون جميعاً، وأما موسى صلى الله عليه  وسلم فإن كان لم يصعق معهم فيكون قد حوسب بصعقته يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكاً، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضاً من صعقة الخلائق لتجلي الرب يوم القيامة فتأمل هذا المعنى العظيم، ولو لم يكن في الجواب إلا كشف هذا الحديث وشأنه لكان حقيقاً أن يعض عليه بالنواجذ ولله الحمد والمنة وبه التوفيق”.

وللإمام الحافظ ابن رجب كلام أحسن فيه – رحمه الله – أيما إحسان في قصر الأمل في الدنيا والعمل لما بعد الموت في شرحه للأربعين النووية ( جامع العلوم والحكم ص 376″ عند الحديث الأربعون “) الذي رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما من قول رسول الله صلى الله عليه  وسلم وقوله قال: “أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابرُ سبيل».

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك”

قال الحافظ في شرحه: “هذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا؛ وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطناً ومسكناً فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر: يهيئ جهازه للرحيل.

وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنه قال: ] يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [[غافر:39].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول «مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها».

ومن وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه أنه قال لهم: اعبروها ولا تعمروها، وروي عنه أنه قال: من ذا الذي يبني على موج البحر داراً، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً.

ودخل رجل على أبي ذر، فجعل يقلب بصره في بيته فقال يا أبا ذر أين متاعكم؟ فقال: إن لنا بيتاً نوجه إليه، قال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا، قال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه.

ودخلوا على بعض الصالحين فقلبوا بصرهم في بيته فقالوا إنا نرى بيتك بيت رجل مرتحل، فقال أمرتحل؟ لا، ولكن أُطْرَدُ طرداً.

وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.

قال بعض الحكماء: عجبت ممن الدنيا مولية عنه، والآخرة مقبلة إليه، يشتغل بالمدبرة، ويعرض عن المقبلة.

وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا – رحمكم الله – منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.

وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطنا، فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة، همه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة، بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين:

فأحدهما: أن ينزل المؤمن نفسه كأنه غريب في الدنيا، يتخيل الإقامة لكن في بلد غربة، فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، وإنما هو مقيم في الدنيا ليقضي مرمّة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه.

قال الفضيل بن عياض: المؤمن في الدنيا مهموم حزين، همه مرمة جهازه ومن كان في الدنيا كذلك فلا هم له إلا التزود بما ينفعه عند عوده إلى وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم.

قال الحسن: المؤمن كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له شأن وللناس شأن.

لما خلق آدم عليه السلام أسكن هو وزوجته الجنة، ثم أهبط منها، ووعد بالرجوع إليها، وصالح ذريتهما، فالمؤمن أبداً يحن إلى وطنه الأول، وحب الوطن من الإيمان كما قيل:

كم منزل للمرء يألفه الفتي            وحنينه أبداً لأول منزل

ولبعض شيوخنا: [ ابن القيم]:

فحي على جنات عدن فإنها             منازلك الأولي وفيها المُخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى               نعود إلى أوطاننا ونُسلَّم

وقد زعموا أن الغريب إذا نأى            وشطت به أوطانه فهو مغرم

وأي اغتراب فوق غربتنا التي            لها أضحت الأعداء فينا تحكم

وكان عطاء السلمي يقول في دعائه اللهم ارحم في الدنيا غربتي وارحم في القبر وحشتي وارحم موقفي غداً بين يديك….

وما أحسن قول يحيى بن معاذ الرازي الدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموتى نادماً مع الخاسرين.

الحال الثاني: أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا كأنه مسافر غير مقيم البتة وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر إلى آخره وهو الموت ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهمته تحصيل الزاد للسفر فليس له همة للاستكثار من طلب متاع الدنيا ولهذا وصي النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب.

قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت قال ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الآخرة؟

وقال الحسن: إنما أنت أيام مجموعة كلما مضي يوم مضي بعضك وقال ابن آدم إنما أنت بين مطيتين يوضعانك يوضعك الليل إلى النهار والنهار إلى الليل حتى يسلمانك إلى الآخرة فمن أعظم منك يا ابن آدم خطرا وقال الموت معقود بنواصيكم والدنيا تطوي من ورائكم.

قال داود الطائي: إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو والأمر أعجل من ذلك فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك فكأنك بالأمر قد بغتك.

وكتب بعض السلف إلى أخ له يا أخي يخيل لك أنك مقيم بل أنت دائب السير تساق مع ذلك سوقا حثيثا الموت متوجه إليك والدنيا تطوي من ورائك وما مضي من عمرك فليس بكار عليك يوم التغابن.

سبيلك في الدنيا سبيل مسافر           ولا بد من زاد لكل مسافر

ولا بد للإنسان من حمل عدة           ولا سيما إن خاف صولة قاهر

وقال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله وتقوده حياته إلى موته. وقال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك قال ستون سنة قال فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ فقال الرجل إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟ تقول إنا لله وإنا إليه راجعون فمن عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جوابا فقال الرجل فما الحيلة قال يسيرة قال ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضي فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضي وبما بقي وفي هذا المعنى يقول بعضهم:

وإن امرأ قد سار ستين حجة              إلى منهل من ورده لقريب

قال بعض الحكماء: من كانت الأيام والليالي مطاياه سارت به وإن لم يسر وفي هذا قال بعضهم:

وما هذه الأيام إلا مراحل                  يحث بها داع إلى الموت قاصد

وأعجب شيء لو تأملت أنها               منازل تطوي والمسافر قاعد

وقال آخر:

ويا ويح نفس من نهار يقودها              إلى عسكر الموتى وليل يذودها

قال الحسن: لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار وتقريب الآجال هيهات قد صحبا نوحاً وعادا وثموداً وقرونا بين ذلك كثيرا فأصبحوا قد أقدموا على ربهم ووردوا على أعمالهم وأصبح الليل والنهار غضين جديدين لم يبلهما ما مرا به مستعدين لمن بقي بمثل ما أصاب به من مضي.

وكتب الأوزاعي إلى أخ له أما بعد فقد أحيط بك من كل جانب واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة فاحذر الله والمقام بين يديه وأن يكون آخر عهدك به والسلام.

نسير إلى الآجال في كل لحظة              وأيامنا تطوي وهن مراحل

ولم أر مثل الموت حقا كأنه                  إذا ما تخطته الأماني باطل

وما أقبح التفريط في زمن الصبا               فكيف به والشيب للرأس شاعل

ترحل من الدنيا بزاد من التقي             فعمرك أيام وهن قلائل

وأما وصية ابن عمر فهي مأخوذة من هذا الحديث الذي رواه وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل وإن الإنسان إذا أمسي لم ينتظر الصباح وإذا أصبح لم ينتظر المساء بل يظن أن أجله يدرك قبل ذلك وبهذا فسر غير واحد من العلماء الزهد في الدنيا قال المروزي قيل لأبي عبد الله يعني أحمد أي شيء الزهد في الدنيا قال قصر الأمل من إذا أصبح قال لا أمسي قال وهكذا قال سفيان قيل لأبي عبد الله بأي شيء نستعين على قصر الأمل قال ما ندري إنما هو توفيق.

قال الحسن: اجتمع ثلاثة من العلماء فقالوا لأحدهم ما أملك قال ما أتي على شهر إلا ظننت أني سأموت فيه قال فقال صاحباه إن هذا لأمل فقالا لأحدهم فما أملك قال ما أتت على جمعة إلا ظننت أني سأموت فيها قال فقال صاحباه إن هذا لأمل فقالا للآخر فما أملك قال ما أمل من نفسه في يد غيره.

قال داود الطائي: سألت عطوان بن عمرو التميمي، قلت: ما قصر الأمل؟ قال: ما بين تردد النفس، فحدث بذلك الفضيل بن عياض، فبكى، وقال: يقول: يتنفس فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه، لقد كان عطوان من الموت على حذر.

وقال بعض السلف: ما نمت نوماً قط، فحدثت نفسي أني أستيقظ منه.

وكان حبيب أبو محمد يوصي كل يوم بما يوصي به المحتضر عند موته من تغسيله ونحوه، وكان يبكي كلما أصبح أو أمسى، فسُألت امرأته عن بكائه، فقالت: يخاف –والله- إذا أمسى أن لا يصبح وإذا أصبح أن لا يمسي.

وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال لأهله: أستودعكم الله فلعلها أن تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم.

وقال بكر المزني إن استطاع أحدكم أن لا يبيت إلا وعهده عند رأسه مكتوب، فليفعل، فإنه لا يدري لعله أن يبيت في أهل الدنيا، ويصبح في أهل الآخرة.

وكان أويس إذا قيل له: كيف الزمان عليك؟ قال: كيف الزمان على رجل إن أمسى ظن أنه لا يصبح، وإن أصبح ظن أنه لا يسمي فيبشر بالجنة أو النار؟.

وقال عون بن عبد الله: ما أنزل الموت كنه منزلته من عد غداً من أجله، كم من مستقبل يوماً لا يستكمله، وكم من مؤمل لغد لا يدركه، إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره، لبغضتم الأمل وغروره، وكان يقول إن من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنه لا يدرك آخره.

وكانت امرأة متعبدة بمكة إذا أمست قالت يا نفس، الليلة ليلتك لا ليلة لك غيرها فاجتهدت فإذا أصبحت قالت يا نفس، اليوم يومك، لا يوم لك غيره فاجتهدت.

وقال بكر المزني: إذا أردت أن تنفعك صلاتك فقل: لعلي لا أصلي غيرها وهذا مأخوذ مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” صل صلاة مودع”.

وأقام معروف الكرخي الصلاة ثم قال لرجل تقدم فصل بنا، فقال الرجل: إني إن صليت بكم هذه الصلاة، لم أصل بكم غيرها، فقال معروف وأنت تحدث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل، فإنه يمنع خير العمل.

وطرق بعضهم باب أخ له، فسأل عنه، فقيل له: ليس هو في البيت فقال: متى يرجع؟ فقالت له جارية من البيت: من كانت نفسه في يد غيره من يعلم متى يرجع ولأبي العتاهية من جملة أبيات:

وما أدري وإن أملت عمراً                 لعلي حين أصبح لست أمسي

ألم تر أن كل صباح يوم                    وعمرك فيه أقصر منه أمس

وهذا البيت الثاني أخذه مما روي عن أبي الدرداء والحسن أنهما قالا: ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، ومما أنشد بعض السلف:

إنا لنفرح بالأيام نقطعها               وكل يوم مضى يدني من الأجل

فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً       فإنما الربح والخسران في العمل

قوله:” وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك”، يعني: اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها السقم، وفي الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت وفي رواية:” فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غداً” يعني: لعلك غداً من الأموات دون الأحياء.

وقد روي معنى هذه الوصية عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه، ففي (صحيح البخاري) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” وفي (صحيح الحاكم) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».

وقال غنيم بن قيس كنا نتواعظ في أول الإسلام: ابن آدم، اعمل في فراغك قبل شغلك، وفي شبابك لكبرك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك لآخرتك، وفي حياتك لموتك.

وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة».

وفي (الترمذي) عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنظرون إلا إلى فقر منس أو غنى مطغٍ أو مرضٍ مفسدٍ، أو هرمٍ مفندٍ، أو موت مجهز، أو الدجال، فشر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر؟».

والمراد من هذا أن هذه الأشياء كلها تعوق عن الأعمال فبعضها يشغل عنه، إما في خاصة الإنسان كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته وبعضها عام كقيام الساعة وخروج الدجال وكذلك الفتن المزعجة، كما جاء في حديث آخر :”بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم”.

وبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل كما قال تعالى: ]يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراًً[،[الأنعام:158]. وفي (الصحيحين) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس، آمنوا أجمعون، فـذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً”.

وفي (صحيح مسلم) عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً، طلوع الشمس من مغربها والدجال، ودابة الأرض».

وفيه أيضاً عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه”.

وعن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:” إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها”.

وخرج الإمام أحمد، والنسائى، والترمذى، وابن ماجه من حديث صفوان بن عسال، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:” إن الله فتح باباً قبل المغرب عرضه سبعون عاماً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه”.

وفي (المسند) عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو، ومعاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل”.

وروي عن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات، طرحت الأقلام، وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. خرجه ابن جرير الطبري، وكذا قال كثير بن مرة ويزيد بن شريح، وغيرهما من السلف إذا طلعت الشمس من مغربها طبع على القلوب بما فيها، وترفع الحفظة والعمل، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملاً، وقال سفيان الثوري: إذا طلعت الشمس من مغربها طوت الملائكة صحائفها ووضعت أقلامها.

فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها ويحال بينها وبينه إما بمرض أو موت أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل. قال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة ويوشك أن تنفق فلا يوصل منها إلى قليل ولا كثير ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه ويتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل، فلا تنفعه الأمنية.

قال تعالى:  ]وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ& وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ&أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ      &أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ& أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[  [الزمر:54-58].

وقال تعالى: ] حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ& لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون[،[المؤمنون:99-100].

وقال عز وجل: ]وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ&وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [ [المنافقون:10-11].

وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً:” ما من ميت يموت إلا ندم”، قالوا: وما ندامته قال:” إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً، ندم أن لا يكون استعتب”.

فإذا كان الأمر على هذا فيتعين على المؤمن اغتنام ما بقي من عمره ولهذا قيل: إن بقية عمر المؤمن لا قيمة له وقال سعيد بن جبير كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة، وقال بكر المزني: ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول يا ابن آدم، اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: ابن آدم، اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي، ولبعضهم:

اغتنم في الفراغ فضل ركوع              فعسي أن يكون موتك بغته

كم صحيح رأيت من غير سقم          ذهبت نفسه الصحيحة فلته

وقال محمود الوراق:

مضى أمسك الماضي شهيداً                معدلاً وأعقبه يوم عليك جديد

فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة            فثن بإحسان وأنت حميد

فيومك إن أعتبته عاد نفعه                 عليك وماضي الأمس ليس يعود

ولا ترج فعل الخير يوماً إلى غد            لعل غداً يأتي وأنت فقيد

 

وفي: العاقبة في ذكر الموت والآخرة لعبد الحق الأشبيلي، (ص197):

قال أنشدوا:

لمن جدث أبصرته فشجانـي            وأرسل في شجو الهمـوم عـنان

سفكت عليه أدمعاً فسقيتـه            كما هو من كأس الشجون سقاني

وقفت به حيران وقفة هائم              أعـالج قلـباً دائـم الخفقـانـي

وما بي من في القبر لكن رأيته                  على حالة فيها وشيك أراني

وأنشدوا أيضاً:

لمن الأقبر في تلك الربى                      ملأت صدري شجواً وأسى

لمن الأوجه فيها كسفت                       بعد حسن وجمال وضيا

لمن الأجسام فيها بليت                       بعد زهو وشباب وانتشا

ومن الفرسان فيها قد نسوا                    روعة الحرب بروعات الثرى

ورموا إذ هتف الموت بهم                       بسيوف الهند رعباً والقنا

ومن الخرّد فيها شد ما                        فتكت قبل بآساد الشرى

نظر الموت إليها فغدت                         تنفر الأنفس منها إذ ترى

لمن الأقبر في تلك الربى                          ألبست جسمي أثواب الضنا

يا جفوناً أرسلت أدمعها                       ما بذا بأس لو ارسلت الدما

صاح يا صاح ونيران الجوى                      علقت مني بأثناء الحشا

لا تظنن بكائي  لهم                              ليس والله لهم هذا البكا

إنما أبكي لنفسي لا لهم                             فكأني اليوم فيهم أو غدا

روى الأمام أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا (في المحتضرين ص311) عن البهي قال لما احتضر أبو بكر جاءت إليه عائشة رضي الله عنهما فتمثلت في هذا البيت :

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى             إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

فكشفت عن وجهه فقال: ليس كذاك ولكن قولي: ] وجاءت سكرة الموت بالحق ذالك ما كنت منه تحيد[، انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما، وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.

روى الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، وابن ماجه في سننه، وابن أبي الدنيا (في المحتضرين ص311) عن عائشة رضي الله عنها قالت:”رأيت النبي صلى الله عليه  سلم وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدح فيمسح وجهه ويقول: «اللهم أعني على سكرات الموت».

هذا آخر ما تيسر  ولعل فيه كفاية، والله أسأل أن يجعله علماً نافعاً.

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وكتبه:

فالح بن نافع بن فلاح المخلفي الحربي

وكان الفراغ منه يوم السابع

والعشرين من شهر جمادى الأولى

عام ألف وأربعمئة وثماني وعشرين

من الهجرة النبوية المباركة.

([1]) قال ابن القيم( في الروح 1/260)، (وذهب إلى القول بموجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث من سائر الطوائف )     

        ([2]) وقال ابن أبي العز في شرح عقيدة الطحاوي: ” وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله   

              شواهد في الصحيح”.

 

  المصدر: كتاب لفالح الحربي

(Visited 23 times, 1 visits today)