موقف الشيخ صلاح الدين ابوعرفه من السلف

ملف صلاح أبو عرفة

لا أحد ينكر-ولا ابو عرفة نفسه-ان تفسيراته مختلفة عن المالوف,فلم يؤثر عن واحد من السلف تصريحا أو تلميحا أن” الخضر هو ابو موسى ابن عمران” أو أن “القدور الراسيات مفاعل سليمانية نووية”أو “أن آية قوم يونس هي الوفاة”.
وقد يستمتع صاحب الاختلاف بالتفرد لحظة, لكن لا يستطيع أن يخفي دائما الحقيقة الشاخصة: ومفادها أن من أسماء التفرد عند الناس “الشذوذ”.فصاحب موقع أسرار القرآن” شذ” فى تفسيره. سواء أكان منه القبول لهذا الوصف أم لا.

ثم تأتي المعضلة بعد ذلك :كيف يمكن اقناع الناس بتفسير شاذ؟
أقول معضلة ليس بالنظر الى صعوبة العثور على الأدلة فهذا أمر عرضي ولكن لأمر جوهري نعبر عنه بالمعادلة التالية:”الانسياق وراء تفسير شاذ هو نفسه شذوذ.”
إذن فليس العبرة بحمل الناس على تقبل الشذوذ بتوظيف ترسانة الادلة- مع الاعتراف بصعوبة ذلك-, ولكن الشأن في إزالة هذا الوصف نهائيا أو تناسيه على الأقل.وهكذا وجد الشيخ صلاح الدين نفسه مرغما على ان يقف من السلف موقفا لا يرضاه لنفسه.وقد يسال سائل عن وجه الإرغام فى المسألة فنقول:
إعلم ان” الشذوذ”أمرإضافي- نسبي- : فلا يحكم بشذوذ ألا بتصورمقارنة.والمقارنة بين أموركثيرة تسفر عن تصنيف عقلي ثنائي على النحو التالي:
تجانس عناصرمتعددة وتآلفها.
واختلاف عنصر عنها.
وهذا المختلف عن الجماعة هو المحكوم عليه بالشذوذ.
والآن يكفي اخلاء الساحة من العناصر المتجانسة أو عدم اعتبارها ليزول وصف الشذوذ عن العنصر الباقي. هكذا قدر الشيخ صلاح الدين فمضي يقول ويعيد القول أن فهم السلف غير لازم مرة ,وأن فهم السلف نفسه غير متجانس مرة أخرى, وأن اقوال السلف لا تقاوم “ظاهر القرآن مرة ثالثة.

رأينا أن تعامل المردود عليه مع مفهوم “الظاهر” أدى به الى “تعويم” المصطلح, وسنرى الآن أن سوء تعامله مع السلف أدى به الى تناقض صارخ:تناقض يلمس على مستويات عدة منها “ازدواجية الخطاب” كما سيلاحظ القاريء بنفسه فى هذه الفقرات من مقدمته العامة:
1-“واختلاف أهل التفسير أظهر دليل على أنه اجتهاد بالدرجة الاولى والأخيرة، ولنا أن نرى أنفسنا حاضرين بين الناس, يوم جمع عثمان رضي الله عنه المصحف، فلم يكن يومها تفسير لابن كثير أو للطبري أو غيرهم من المرتضين الأعلام, جزاهم الله عن الأمة كل خير بما أسلفوا…”

2-“فكل ما في التفاسير من قصص أو تعليق, لا ينتهي سنده الصحيح الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما هو قول معلّق، لنا أن نأخذ ولنا ألا نأخذ، ما اتبعنا الهدى ووقفنا عند الثوابت. وليس في هذا استثناء, بعد قول الصحابة فيما أجمعوا عليه, ليس في هذا استثناء لأحد بلغ ما بلغ,..“

3-“ولا يفهم من كلامنا أننا ننفي أو نتجاوز فقه الأئمة الأكابر وجهدهم ونظرهم, فلا يقول بهذا مؤمن, ولا حاجة لإثبات رسوخهم وسبقهم وشرفهم, فجلّ ديننا وفقهنا وصلنا بجهدهم ومدادهم, فهم الناقلون المبلغون المبينون, وعامة الصواب مما وصلنا منهم, ولكننا نبحث وندرس فيما لم يقطعوا فيه, ولم يُجمعوا عليه جواباً, فلا يزال لهذا الدين خلف يحمله بأمر الله وتسديده, لا يحلون حراماً ولا يحرمون حلالاً, ولا يقطعون إجماعاً معلوماً مكتوباً بغير بينة ولا برهان, فكل يؤخذ من فمه ويرد عليه, وفوق كل ذي علم عليم.”

4-“وأما أن علينا أن نلتزم فهم السلف الصالح، فهذا صحيح, فيما لا يجوز تجاوزه ولا الخلاف فيه, كالعقائد وما سمعوه نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سوى ذلك فالأصل النظر والتدبر والسؤال, فلا نلغي عقولنا وأفهامنا, فلو كان التزام فهم السلف حجة وديناً, لما خالف ابن عباس من سلفه, ولما خالف الشافعي مالكاً رضي الله عنهم جميعا, ولم يزل الناس ينظرون ويعيدون ويصححون, فهذا الدين شجرة طيبة تؤتي اُكلها كل حين بإذن ربها. وهذه الأمة بوصف نبيها المعصوم عليه الصلاة والسلام كالغيث, لا يعرف أوله خير أم آخره.”

مثل هذا الكلام ينبغي ان يقرأ بحذر شديد…فكل الدسائس الموجودة فى موقع الاسرار مختزل هنا.وعلى المسلم ان يتذكر دائما المقولة الحصيفة لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه:”كلمة حق أريد بها تصحيح باطل”
فلا بد من ان يلاحظ المسلم فى هذه النصوص وغيرها ازدواجية آلية الخطاب:
– آلية الطعن “منهجيا” فى كل السلف بدون استثناء…..
-وآلية توقيرهم” لفظيا”بدون حساب….
وما كانت الآلية الثانية الا تقية او بابا سيلتجيء اليه الكاتب كلما حوصر واتهم بمضمون الآلية الاولى…فتكون الحصيلة كتابة ماكرة من نوع:
“انت مخطيء رضي الله عنك”
أو من جنس:
“لم تفهموا القرآن ايها الأئمة الاكابر”
وليست العبرة فى المدح وإطلاق صفات التبجيل والاجلال لكن العبرة فى الموقف من أقوالهم خاصة عندما يبدو لك ان تخالفهم..

وقد ألفنا في زمننا هذا قراءة خطابات فكرية “دبلوماسية”من نوع جديد: حيلتها الطعن الشديد لكن مخرجا فى صورة المدح الشديد.فيقولون مثلا:
” القرآن أجل من أن يفهم بعقولنا القاصرة..”
أو:
“الشريعة أنظف من أن ندنسها بتطبيقاتنا…”
أو:
” الله تعالى أعظم من ان يتدخل فى شؤون سياساتنا واقتصاداتنا….”
وليس وراء هذه العبارات “الممجدة” الا اللهاث خلف الغاء الشريعة, وإقصاء القرآن من حياة الناس, وتعطيل الدين.
ولصاحب “اسرار القرآن”نصيب وافر من هذه الآلية.فاستمع اليه وهو يخالف الناس فى معنى “الجمهور”:
[ والحق أن ثمة مسأله يجب الوقوف عندها, وهي ما نتناقله من أن هذا “قول الجمهور”, فمتى يكون الرأي رأي الجمهور بحق؟!.
ذلك أن كثيرا مما في التفاسير, هو أخذ رجل عن رجل, ونقل الواحد عن الآخر, فتبدأ بابن عباس رضي الله عنهما مثلا, فيحمل القول نفسه مائة مفسر, فيصلنا نحن على أنه “قول الجمهور”, وهذا ليس بعدل ولا بحق, فإنما هذا قول إمام واحد, وألف ناقل, فلن يعدو أن يبقى قول إمام واحد!.
أما قول “الجمهور” بحق, فهو أن ندفع بالمسألة الواحدة لمائة إمام, فينظروا فيها كل على حدة, ثم يقول كل بقوله, فإن قال أغلبهم برأي واحد متفق, دون أن يسمعه من الآخر, فذلك المتفق الغالب, هو “قول الجمهور”, فلننظر ولنتحسّب. {قل إنما أعظكم بواحدة, أن تقوموا لله مثنى وفرادى, ثم تتفكروا} . ]

فالرجل للتهوين من شأن السلف لا يتورع من اقتراف خطايا فكرية منها:
-زعم ان القول لواحد والمائة نقلة فقط.أفلا يحتمل ان نقلهم “أقرار”؟ لم يفترض أنهم مخالفون لما ينقلون؟ فليس فى العادة ان يروج الانسان لسلعة غيره ولا يفعل ذلك لسلعته هوخاصة فى مقام المنافسة.صحيح انه لا ينسب لساكت قول لكن الناقل بنقله وترويجه لفكرة يشعر بتبنيه لها….واعتقاد العكس يسلك فى سلك الشذوذ.
-يرى ان قول “الجمهور” بحق هو القول الذي يسفر عليه ما يشبه صناديق الاقتراع.وليت شعري كيف يرتب هذا الاقتراع فى كل لحظة أم فى كل اربع سنوات؟ ثم قوله هذا هل انفرد به ام قاله الجمهور. وكيف نجعل المتحكم فى اعتبار” ما هو جمهور”رأيا فرديا….اليس هذا تنا قضا فى القول؟
-ثم على افتراض أن مقولته عن مفهوم”الجمهور” صحيحة…فهل يدعي أن تفسيراته صادق عليها الجمهور.
لا أظنه يدعي ذلك.ومن ثم لا ينفعه الاعتراض على ما يسميه الجمهور ب”الجمهور”.وأنما ذكره فى سياق التهوين فقط.

يطمح الشيخ” ابو عرفة” الى تأسيس منهج لتفسير القرآن مستقلا عن السابقين وبعيدا عن فهم السلف ,هذا المشروع فى حقيقة الأمر يكشف عن آفتين:
-آفة خلقية
-آفة ذهنية.
أما الآولى فمدارها على الغرور والتعالي بدون حق.وأما الثانية فمرجعها الى الجهل والتجاهل.
وهذا بيان ذلك كله:
السلف عند المردود عليه طبقتان-لفظيا فقط وأما فى نفس الأمر فكل السلف عنده شيء واحد–:
-طبقة الصحابة.
-طبقةكل من جاء بعدهم.
وله مع كل طبقة حال:
فحاله مع الصحابة:”المزاحمة”
وحاله مع باقي الأمة:”المجاوزة”.

فقد أعلن مرارا أن تفاسير السلف غير ملزمة له.لأسباب نحصرها -بإيجاز-في ما يلي:
-اشتمالها على ما هو مجانب لنصاعة الاسلام: الاسرائيليات.
-اشتمالها على ما هو مجانب لحصافة العقل :الاخطاء.
-اشتمالها على ما هو مجانب لعبقرية اللغة:السطحية.
-اشتمالها على ما هو مجانب للتاريخ:الكذب.
ذلك زعمه وهو أولى بما يتهم به غيره-كما سيأتي-.

ومن مظاهر تجنيه بهذا الصدد مؤاخذته الجميع على قول لا يدري من هو قائله .فما أشبهه بمن يعتقل قرية بأكملها بمجرد تلقي مكالمة هاتفية من مجهول يخبر فيهاعن جريمة محتملة.فهو لا يكاد يذكر مفسرا بعينه “أخطأ” فى تفسير آية بعينها…وإنما يتهم المفسرين على الاطلاق.قال فى شأن قصة يونس عليه السلام:
[ المفسرون, وباختصار, يقولون, وانتبه أن ما سيأتي هو “قول” المفسرين من الناس, وليس قول النبي عليه الصلاة والسلام, يقولون: إن يونس دعا قومه فلم يستجيبوا له, فأيس منهم ولم يصبر عليهم, فخرج من بينهم وفرّ من خدمة الله والرسالة, فأتى سفينة تحمل ناسا, فركب فيها, فهاجت بهم الريح, وماج بهم البحر, فاضطروا إلى إلقاء بعضهم في البحر, ليخف حمل السفينة, ولم يكن لهم سبيل إلى ذلك سوى الاستهام والاقتراع, فاستهموا, فوقع السهم على يونس, فأعادوا الاستهام, -لأجل منزلة يونس فيهم, فوقع السهم عليه مرة أخرى, وأخرى, حتى استسلموا لها وألقوه في البحر. فالتقمه الحوت, فأوحى الله إلى الحوت: لا تأكل له لحما ولا تهشم له عظما, فإن يونس ليس لك رزقا, وإنما بطنك تكون له سجنا.
ثم أدرك يونس ذنبه, فاستفغر, فألقاه الحوت بالعراء, وأنبت الله عليه شجرة من يقطين.
وكان من أمر قومه أن أدركوا بعد خروجه من بينهم أن العذاب نازل بهم لا محالة, فخرجوا يبكون, برجالهم ونسائهم وصبيانهم, وفرقوا بين الغنمة ووليدها والبقرة ووليدها ولبسو المسوح, وصاروا يجأرون؟!.
هذا هو مجمل ما في التفاسير, جزا الله علماءنا عنا كل خير بجهدهم.
فهل لنا أن “نراجع” أقوال المفسرين, أم هم معصومون كالنبي؟. ]
وهكذا يستهويه الذهاب والمجيء بين التعويم والتعميم:
تعويم المصطلحات والمفاهيم.
وتعميم التهم والاحكام.
فليس عند الرجل مفسر شخصي بل هو مفسر نوعي واحد.
فيكثر من عبارات: “المفسرون يقولون”و “قالت التفاسير”-بصيغة الجمع- لكنه لا ينسب اليها الا قولا واحدا-بصيغة المفرد-:
“قول” المفسرين من الناس, وليس قول النبي عليه الصلاة والسلام.”
ولا ينسى ان ينبه قارئه الى الحقيقة الانسانية للمفسرين…لكنه ينسى فى غمرة تحامله أن المدعو”ابو عرفة” هو أيضا إنسان…وأن ما قاله “ابو عرفة”ليس مأخوذا عن النبي عليه الصلاة والسلام.كذلك يكون الكيل بمكيالين.
ويكرر صنيعه هذا فى كل مناسبة كما فى كلامه عن الجفان والقدور” النووية”:
(ولا تتجاوز التفاسير لآيات سورة “سبأ” ذلك المستوى السطحي الباهت, ولا تتفق ولا تنسجم أبدا مع المعطيات التي قدمنا لها, ووقفنا عليها..)
(ولا يتعدّ تفسير آيات سورة “سبأ” مستوى سطحيا لا يتفق ولا ينسجم أبدا مع المعطيات التي قدمنا لها, ووقفنا عليها..
فماذا تقول التفاسير إذا وصلت إلى {يعملون له ما يشاء, من “محاريب” و”تماثيل” و”جفان كالجواب” و”قدور راسيات”}؟؟..
الجواب..
ليس هذا كله -وبعدما قدمنا من ملك الرجل العظيم- ليس هذا في التفاسير أبعد من معناه السطحي الظاهر, من محاريب الصلاة, وتماثيل لا يُعرف مأرب “النبي الصالح” فيها, ولا حاجته لبنائها, وجفان كالجواب, أي صحون كبيرة للأكل, وقدور ضخمة للطبخ والنفخ!!.)

لقد جمع المفسرين كلهم فى “ذات” واحدة ليتسنى له مؤاخذة جميعهم إذا ما وجد عند فرد واحد منهم ما يحتمل المؤاخذة…..فتكون محاكمة من نوع محاكمة الذئب للحمل :”إن لم تكن أنت المذنب فأخوك”.ولا يتورع من اعتماد الحجة ونقيضها لإحكام التهمة مستعينا بالقاعدة اليهودية المكيافلية الغاية تبرر الوسيلة.
فهو فى مواضع يتهم المفسرين بالحيدة عن ظاهر القرآن وينعتهم بـ”المؤولين “.
وهنا لما تمسكوا بظاهر القرآن اتهمهم بالسطحية وقلة الفهم.
ولفق ترادفا بين الظاهر والسطحية ليشنع على العلماء ونسي أولا أنه يطعن فى القرآن بطريقة خفية وتناسى ثانيا انه هو نفسه أعلن فى “منهجه” الا يعتمد إلا على ظاهر القرآن وصحيح الحديث.(فما هذا الظاهر الذي له سطح وباطن؟!)
وعلى كل حال فالرجل ينضم الى الجوقة العتيدة :
ظاهر القرآن كفر(الصاوي)
ظاهر القرآن تجسيم(المتكلمون)
ظاهر القرآن سطحية(موقع أسرار القرآن)
لكن هل سلم الصحابة من هذا المصير ؟

قال فى مقدمته:
[ فكل ما في التفاسير من قصص أو تعليق, لا ينتهي سنده الصحيح الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما هو قول معلّق، لنا أن نأخذ ولنا ألا نأخذ، ما اتبعنا الهدى ووقفنا عند الثوابت. وليس في هذا استثناء, بعد قول الصحابة فيما أجمعوا عليه. ]
فالصحابي-إذن- من حيث هو صحابي لا يعتد بقوله وإنما يعتد بالاجماع…ولكن يبدو أن هذا الاستثناء بقي غصة في حلق”منهجه” فمضي يضع شروطا تعجيزية لفسخ الاستثناء وبالتالي الحاق الصحابة بغيرهم ممن أتوا بعدهم.قال:
(فالأمي عند علمائنا، الذي بعث من “الأميين”، ولكن ظاهر الكتاب للمتدبر على خلاف هذا، ولا يحق لأحد أن يلزم الناس بشيء لم يلزمهم به رسول الله أو صحابته فيما فهموه عنه مجمعين عليه كاتبين له, تقرأه العامة والخاصة…)
فقد تعنت تعنتا شديدا بتحديد شروط من عند نفسه لقبول اقوال الصحابة:
– اجماعهم أولا.
-كتابتهم لذلك الاجماع وتوثيقه ماديا ثانيا.
-اطلاع العامة والخاصة على النصوص المكتوبة لذلك الاجماع ثالثا.
سبحان الله…!!!
ثم لا يرتاح الرجل حتى يجعل أقوال الصحابة وأفهامهم فى سلة واحدة مع” كل الناس”.والانس فى مصطلح ابو عرفة ليس فى مقابل الجن ولكن فى مقابل العصمة. فكثيرا ما يرد ردا اجماليا آراء بدعوى أنها “للناس”….!

ثم يستند الى حديث رواه الصحابة ليطعن فيهم…
وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بلغوا عني ولو آية”, و”نضر الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه, فرب مبلغ أوعى من سامع”, فهذا الحديث عمدة راسخة لهذا الفهم، إذ هو هكذا: “كما سمعه” لا كما فهمه، والأصل بلاغ الآية والحديث كما تليا, كائناً من كان صاحب ذلك الفهم، على علو شأنهم وقوة فهمهم وحاجتنا إليه, دون أن نخلطه بكلام المعصوم ذي الوحي محمد عليه الصلاة والسلام, فكلام الله وكلام رسوله شيء, وكلام الناس –كل الناس- شيء آخر, وَلَبُعْد ما بينهما.
فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة الا يتدخلوا فى شؤون الفهم والتفسير وأن غاية وكدهم هو البلاغ فقط…

وزعم ان الحديث السابق هو الأصل فى المسالة..ولم يكلف نفسه عناء ذكر آيات وأحاديث أخرى تتوعد كل مفارق لنهج الجماعة وعلى رأسهم الصحابة..ثم ارتضى لنفسه أن يفهم “رب” فى قول النبي صلى الله عليه وسلم على أنها تفيد التكثير…بينما اهل اللغة ينصون على افادتها التقليل أيضا..وارتضى لنفسه أن يدخلها فى عموم صيغة التفضيل”أوعى”.

نعم.إن الرجل لا يتورع عن رفع نفسه الى مستوى لا تستحقه فذهب الى “مزاحمة الصحابة”والى ادعاء “صحبة معنوية” قال:
( ولنا أن نرى أنفسنا حاضرين بين الناس, يوم جمع عثمان رضي الله عنه المصحف، فلم يكن يومها تفسير لابن كثير أو للطبري أو غيرهم من المرتضين الأعلام, جزاهم الله عن الأمة كل خير بما أسلفوا.)
(فالله الله بيننا وبينكم, أن نقرأ كتاب الله كأنما نزل لتوه, وكأنما نأخذه غضا من فم المبلغ الأمين محمد عليه الصلاة والسلام, ولو كان ما يقولون ويفسرون حقا ملزما, كلازم الكتاب والحديث, فقد ابتدعوا على الله ورسوله الباطل.)
(ولو كان عبد يسمع هذه الآيات من فم النبي, ولم يكن يومها تفسير ولا تأويل, وكان يتلى يومها في الناس {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي}, فبأي التفاسير نلزمه, وعلى أيها نحمله؟!.)
الرجل استكبر في نفسه فلم يعد يملأ عينه مسلم كائنا من كان..ولكن تأخر زمنه يرغمه على قبول روايتهم وتبليغهم فكان ان هداه خياله الى الاستغناء عن هذا البلاغ ايضا متخيلا نفسه يأخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة…فاقتربت مقالته من مقالة الشيخ احمد التيجاني عندما يعلن:”حدثني سيد الوجود يقظة لا مناما”.
وسنبين لهذا الرجل فى الحلقة القادمة أن تأسيس منهج فى التفسير على غير آثار السلف جهل ومحال لوكانوا يعقلون.

رابط الأصل: https://tnkeel.wordpress.com/2010/05/22/1/

(Visited 54 times, 1 visits today)