الرد على صلاح ابو عرفة في تحريمه لكلمة (عقيدة) 2

ملف صلاح أبو عرفة

حول مصطلح العقيدة : لا حجة لقول المشاغبين

رداً على صلاح أبو عرفة في جعله استعمال لفظة العقيدة من أشنع الفواقر و أفظع الآثام !!
فهذا رد موجز سريع نبين فيه تهافت دعواه بتحريم استعمال مصطلح [ عقيدة ] ، وجعله من استعمله قد ناصب ربه العداء !

أولاً : هذا المصطلح في القرآن الكريم :
ورد في القرآن جذر كلمة العقيدة وبعض متصرفاتها ؛ ولا بأس أن أنقل من “تهذيب اللغة” (1/196-197، ط، الدار المصرية) قول الأزهري في مادة عقد ، وهو : «قال الله جلّ وعزّ : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾[ المَائدة : 1 ] قيل : العُقود : العهود ، وقيل : الفرائض التي أُلزِموها . وقال الزَّجاج في قوله : ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾: خاطب الله جلّ وعزّ المؤمنين بالوفاء بالعقود التي عقدها عليهم ، والعقود التي يَعقدها بعضُهم على بعضٍ على ما يوجبه الدِّين . قال : والعُقود : العهود ، واحدُها عَقْد ، وهي أوكدُ العهود . يقال: عهِدتُ إلى فلانٍ في كذا وكذا ، فتأويله ألزمتُه ذلك ، فإذا قلت عاقدتُه أو عَقَدتُ عليه ، فتأويله أنك ألزمته ذلك باستيثاق . ويقال : عقدتُ الحبلَ فهو معقود ، وكذلك العهد . وأعقدت العسل ونحوه فهو مُعْقَدٌ وعَقيد . وروى بعضهم : عقدت العسل والكلامَ: أعقدت . وأنشد : وكأنَّ رُبَّاً أو كُحَيلاً مُعْقداً .
 
ويقال : عقَد فلانٌ اليمين ، إذا وكَّدها . وأخبرني المنذريّ عن ابن اليزيديّ عن أبي زيد في قوله عزّ وجلّ : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾[ النِّساء : 33 ] و﴿ عاقدت أيمانكم ﴾وقريء : ﴿ عَقَّدت ﴾بالتشديد ، معناه التوكيد كقوله : ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾[ النّحل : 91 ] في الحلف أيضاً . قال : فأما الحرف في سورة المائدة : ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ﴾[ المَائدة : 89 ] بالتشديد في القاف قراءة الأعمش وغيره ، وقد قريء بالتخفيف : ﴿ عَقَدتم ﴾. وقال الحطيئة :
أولئك قومي إنْ بَنوْا أَحسنوا البنا … وإن عاهدوا أوفَوْا وإن عاقدوا شدُّوا
 
وقال في عَقَد :
 
قومٌ إذا عَقدوا عَقْداً لجارهم
 
فقال في بيتٍ : عقدوا ، وفي بيتٍ : عاقدوا . والحرف قريء بالوجهين » .

ثانياً : هذا المصطلح في الحديث النبوي :
ورد لفظ “يعتقد” في السنة الصحيحة كما عند الدارمي (1/302-303، ط1، 1421هـ ، دار المغني ) عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ : خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ – رضي الله عنهما – مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِنِصْفِ النَّهَارِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : مَا خَرَجَ هَذِهِ السَّاعَةَ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ إِلاَّ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ ، فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : نَعَمْ سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَحَفِظَهُ فَأَدَّاهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. لاَ يَعْتَقِدُ قَلْبُ مُسْلِمٍ عَلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ». قَالَ قُلْتُ : مَا هُنَّ ؟ قَالَ : «إِخْلاَصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلاَةِ الأَمْرِ ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ ، وَمَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ نِيَّتَهُ ؛ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِىَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا نِيَّتَهُ ، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ ». قَالَ : وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى قَالَ :« هِي الظُّهْرُ »
وورد في الأثر كما في “الإبانة الكبرى” لابن بطة (1/93، ط1، 1422هـ، دار الكتب العلمية ، برقم 207) بسند صحيح عن الحسن أن أبي بن كعب قال : « هلك أهل العقدة ورب الكعبة ، هلكوا ، وأهلكوا كثيرا ، والله ما عليهم آسى ، ولكن آسى على ما يهلكون من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – ؛ يعني بالعقد : الذين يعتقدون على الآراء، والأهواء ، والمفارقين للجماعة » .

ثالثاً : في أقوال الصحابة :
وردت كلمة اعتقاد في شعر حسان بن ثابت – رضي الله عنه– كما روى ذلك أبو بكر الآجري في كتاب “الشريعة” (ص/691، ط، دار الحديث) عن الزهري قال : أول حب كان في الإسلام حب النبي – صلى الله عليه وسلم عائشة – رضي الله عنها – , وفيه قال حسان بن ثابت الأنصاري – رضي الله عنه – :

تباريح حب ما تزن بريبة ………. تحمل منه مغرما ما تحملا
وإن اعتقاد الحب كان بعفة …….بحب رسول الله عائش أولا
حباها بصفو الود منها فأصبحت … تبوء به في جنة الخلد منزلا
حليلة خير الخلق وابنة حبه …. وصاحبه في الغار إذ كان موئلا

رابعاً : العقيدة في معاجم اللغة :
وردت كلمة عقيدة في أمهات المعجمات ، وهذا بيان ذلك:
1- قال ابن سيده (ت458هـ) في “المحكم والمحيط الأعظم” (8/316، ط1، 1421، دار الكتب العلمية) : « والبصيرة : عقيدة القلب ، وقيل : البصيرة : الفطنة ، تقول العرب: أعمى الله بصائره أي : فطنه ، عن ابن الأعرابي » .
2- وقال ابن الأثير (ت606هـ) في النهاية في غريب الحديث والأثر (ص 925، ط2، 1423، دار ابن الجوزي) : « .. وحُبُّه النَّظافةَ من غيره كنايةٌ عن خلوص العَقيدة ونَفْيِ الشِّرْك ومُجانَبة الأهْواء ، ثم نظافة القلب عن الغل والحقد والحسد وأمثالها ، ثم نظافة المطعم والملبس عن الحرام والشبه ، ثم نظافة الظاهر لملابسة العبادات » . وقول ابن الأثير هذا نقله ابن منظور في لسان العرب (6/4468، ط، دار المعارف)، والزبيدي في التاج (24/425-426، ط، 1385، حكومة الكويت)
3- وقال الفيروزابادي (ت817هـ) في “القاموس المحيط” (1/370، نسخة مصورة عن الطبعة الثالثة للمطبعة الأميرية) : « والبصيرُ : المُبْصِرُ ، ج : بُصَراءُ ، والعالِمُ ، وبالهاءِ : عَقيدَةُ القَلْبِ ، والفطنة ، ومابين شقتي البيت ، والحجة كالمبصر والمبصرة – بفتحهما- ، وشيء من الدم يستدل به على الرمية ، ودم البكر ، والترس ، والدرع ، والعبرة يعتبر بها والشهيد » .
4- وقال ابن منظور (ت711هـ) في “لسان العرب” (1/291، ط، دار المعارف) : « والبَصِيرَةُ : عَقِيدَةُ القلب . قال الليث : البَصيرة اسم لما اعتقد في القلب من الدين وتحقيق الأَمر » .
5- وقال الفيومي (ت770هـ) في “المصباح المنير” (ص250، ط، دار الحديث) : «واعْتَقَدْتُ كذا : عَقَدْتُ عليه القلب والضمير ؛ حتى قيل : العَقِيدَةُ : ما يدين الإنسان به، وله عَقِيدَةٌ حسنة: سالمة من الشكّ، واعْتَقَدْتُ مالا : جمعته » .
6- وقال الزبيدي (ت1205هـ) في “تاج العروس من جواهر القاموس” (10/192، ط، 1385، حكومة الكويت) : « (و) البَصِيرَةُ ( بالهاء : عَقِيدَةُ القَلْبِ ) ، قال الليث : البصيرة : اسم لما اعتقد في القلب من الدين وتحقيق الأمر » . وقد استعملها في مواضع أخرى معرفة .

7 : قال نشوان بن سعيد الحميري (ت573هـ) في “الحور العين” (ص/331، ط2، 1985، دار آزال): « والعقائد : جمع عقيدة ، وعقيدة الرجل : دينه وما يعتقده».
والعقيدة عند أهل الحديث تقابل السنة بمعناها الخاص ؛ كما قال الحافظ ابن رجبفي جامع العلوم والحكم (2/120، ط دار الهدى):« والسُّنة : هي الطريقة المسلوكةُ ، فيشمل ذلك التمسُّك بما كان عليه هو وخلفاؤه الرَّاشدونَ مِنَ الاعتقادات والأعمال والأقوال ، وهذه هي السُّنةُ الكاملةُ ، ولهذا كان السلف قديماً لا يُطلقون اسم السُّنَّةِ إلا على ما يشمل ذلك كلَّه ، ورُوي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفُضيل بن عياض . وكثيرٌ من العُلماء المتأخرين يخصُّ اسم السُّنة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنَّها أصلُ الدِّين ، والمخالفُ فيها على خطرٍ عظيم… » .

( فالعقيدة ) كلمة صحيحة سليمة فصيحة  ، ترادفها في اللغة كلمة البصيرة – وهي اسم لما اعتقد في القلب من الدين وتحقيق الأمر- ، كما ترادفها كلمة العزم- وهو ما عقد عليه قلبك من أمر أنت فاعله – ، ويقابلها عند أهل الحديث كلمات : الإيمان ، والسنة ، وأصول السنة ، والاعتقاد ، والشريعة في اصطلاح الآجري وابن بطة ، والصلة بينها وبين المنهج كالصلة بين الإيمان والإسلام ، وهما متلازمان لا يفترقان .

خامساً : استعمال العلماء لهذا الاصطلاح :
و هذا على سياق التمثيل فحسب : ابن جرير الطبري (م سنة 310 هـ) ، اللالكائي (ت : 418هـ) ، أبوإسماعيل الصابوني (ت449هـ) ، أبو جعفر أَحمد بن محمد الطحاوي (ت321هـ) ، أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) ، أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) ، أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي (ت371هـ) .
وقد ساق اللالكائي في كتابه ” شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة” اعتقادات أهل السنة – وليس ببعيد أن يكون ذلك عن كتاب – كاعتقاد أبي عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي(ت157هـ) ، واعتقاد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري(ت161هـ) ، واعتقاد سفيان بن عيينة(ت198هـ) ، واعتقاد علي بن المديني (ت234هـ)، واعتقاد أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي (ت240هـ)، واعتقاد أحمد بن حنبل (ت241هـ) ، واعتقاد أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ) ، واعتقاد أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم(ت264هـ) وأبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر(ت277هـ) ، واعتقاد سهل بن عبد الله التستري (ت283هـ) ، واعتقاد أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ) .
ولو أردنا حصر العلماء من أهل التفسير و الحديث و الفقه و اللغة ممن قد استعمل هذا الاصطلاح لتعبنا وعجزنا ، ولكن المراد بيان قبول أهل العلم لهذا الاصطلاح و استعمالهم إياه .

ولا يعرف عن أحد من أهل العلم سلفاً أو خلفاً من أنكر استعمال هذا المصطلح أو حرمه أو وجد حرجاً من استخدامه ، فإذا لم يكن هذا إجماعاً فلا إجماع في الدنيا !!

سادساً : هذا المصطلح اصطلاح عربي فصيح ، وقد ورد في أشعار العرب و آثارهم و من ذلك :
ووردت أيضا في شعر عمر بن أبي ربيعة كما في ديوانه (ص/398، ط، مطبعة السعادة) قال :

قطوف ألوف للحجال غريرة … وثيرة ما تحت اعتقاد المؤزر

ووردت كلمة العقيدة مفردة في شعر قيس بن الملوح الشهير بمجنون ليلى (ت68هـ)، قال – كما في ديوانه برواية الوالبي (ص/55، ط، المطبعة الخديوية ببولاق) -:

خَليلَيَّ هَل قَيظٌ بِنُعمانَ راجِـــعٌ … لَياليهِ أَو أَيّامُهُنَّ الصَوالِـــحُ
أَلا لا وَلا أَيّامُنا بِمُتالِــــــعٍ … رَواجِعُ ما أَورى بِزَندِيَ قـادِحُ
إِذِا العَيشُ لَم يَكدُر عَلَيَّ وَلَم يَمُـت … يَزيدُ وَإِذ لي ذو العَقيدَةِ ناصِـحُ

ووردت جمعا “عقائد” في شعر عنترة بن شداد العبسي كما في ديوانه (ص/67، ط، 1893، مطبعة الآداب ببيروت) :

أفَمِنْ بكاءِ حمامة ٍ في أيكة … ذرفتْ دموعكَ فوق ظهر المحمل
كالدرِّ أو فضض الجمانِ تقطعت … منهُ عَقائِدُ سِلْكهِ لم يُوصل

هكذا الرواية في الديوان ، وفي العين للخليل (1/141- بتحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي ) قال : « والمعاقد : مواضع العقد من النظام ، ونحوه . قال: منه معاقد سلكه لم توصل ». وعلق المحقق بأن الرواية في الديوان عقائد ، وقال ابن فارس في “معجم مقاييس اللغة” (4/87، ط، 1399، دار الفكر) : « والمعاقد : مواضع العقد من النظام . قال : معاقد سلكه لم توصل ». قال المحقق : « وفي الديوان : عقائد ، بدل معاقد ؛ تحريف».
قلت : مفرد المعاقد معقد ، وهو موضع العقد من الحبل ، وهو كذلك العقدة ، ولا يبعد أن تكون العقيدة بمعنى العقدة وزيادة ، إذ قد تسمي العرب الشيء بموضعه .

وهكذا يظهر أن لا حجة لقول المشغبين المشاغبين !
و الحمد لله رب العالمين

ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يثبت قلوبنا على الدين ، وأن يهدينا الصراط المستقيم ، وأن يمسكنا بالعقيدة الصحيحة التي كان عليها النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه – رضي الله عنهم – ، والحمد لله رب العالمين .

ملاحظة : المادة العلمية في هذه المشاركة مستفادة من بحث للأخ : أبو طيبة محمد بن مبخوت ، جزاه المولى كل خير ، بتصرف و إعادة ترتيب

_______
رابط الأصل: https://tnkeel.wordpress.com/2010/05/30/11/

(Visited 45 times, 1 visits today)