الرد على المعتزلي صلاح ابو عرفة في نفيه صفات الله

ملف صلاح أبو عرفة
الرد على رد صلاح أبو عرفة و تلميذه !!

الكاتب : أبو القاسم المقدسي

الحمد لله (الموصوف) بأحسن المحامد والصلاة والسلام على رسول الله وآله الأماجد..
أما بعد,فإن من علامات الساعة أن يوسّد الأمر إلى غير أهله وأن ينطق الرويبضة
وقد ظهرت نابتة سوء يتزعمها شخص نكرة يدعى “صلاح أبو عرفة” وهو عن استحقاق (وصف) الصلاح بعيد, لسوء أدبه معَ أئمة الإسلام ,أعلام الهدى ومنارات الدجى,,فأتى هو بعدما أعيته حيلُ تطلب الشهرة -هذا إذا أحسنّا الظن-, ليستدرك على مجموع الأمة ما ذهلت عنه طوال القرون الغابرة ,وكأن الله بعثه مخلصا للبشرية في آخر الزمان!

وحين رد عليه الشيخ خباب في مقاله المعروف رداً محكماً, زعم أن نفسه أنفت عليه الرد لأنه أكبر من هذا, ولهذا أرسل أحد طلبته الأغرار ليرد على الشيخ خباب, يعني ليكون أبلغ في الإزراء وهي مسرحيّة ظريفة كما ترى ,وسواء كان هو الرادّ أم تلميذه فلا كبير فرق..لأنه هذا التلميذ لم يأت بجديد يذكر على كلام شيخه.
لست بطبيعة الحال في وارد الرد على رده الطويل جداً فقد بلينا في هذا الزمان بكثرة المصابين بالإسهال الفكري وإنما يراد لنا أن ننجر إلى بنيات الطريق, ولكن سأكتفي بالإشارة إلى أمور يسيرة فيها غنية لطالب الحق على سبيل التحقيق, والله المستعان على ما (يصف) هو وأتباعه
توطئة لمعرفة محل النزاع:
يزعم أبو عرفة أن مجرد لفظ “الصفات” بدعة منكرة لم ترد في الشرع ولا على ألسنة الصحابة,فالله قال “ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها” ولم يقل “ولله الأسماء الحسنى والصفات العليا”
فإذا قيل له هل تثبت لله علماً, أو قدرة..إلخ قال :نعم ,فليس هو بالمعتزلي كما قد يظن القاري باديَ الرأي,مشكلته العظمى مع مادة “وصف”, وكل ما اشتُق منها مثار شؤم عنده,حتى لو كان الموصوف هو المخلوق ,فلو قلت :وصف الله عباده بكذا وكذا, فهذه بدعة قبيحة أيضاً, ولست أدري سر عقدته من هذا اللفظ,لكنه يدعي أن الوصف “تقريب” ولا يليق أن يعبر عن الله بشيء تقريبي! ,وليته اقتصر على هذا فهو يعد هذا من أشد البدع في دين الله حتى ذهب يسفه عامة علماء الأمة في استعمالهم لهذا اللفظ, ويذهب في التهويل من شر هذه “البدعة القبيحة” كل مذهب, ومن باب التقريب ,تخيل أنك سمعت خطيبا يقول :”إن الأمة اليوم بلغ بها الانحراف السلوكي والخلقي لدرجة خطيرة فلم يعد هناك من يحسن حفّ شواربه ولهذا هجم علينا الأعداء! ..إلخ” فهل ستكمل سماع الخطبة؟! وبه تعرف حالة الغثيان التي أصابتني حين اضطررت لقراءة كلامه.

أولا-من القرآن :
يذهب الأستاذ صلاح أبو عرفة أن من أدلته على المنع من استعمال لفظ لصفات قول الله تعالى “سبحان الله عما يصفون” وقوله “سبحان ربك رب العزة عما يصفون” ونظائره, فهذا الاستقراء لمادة الوصف في كتاب الله لم يأت إلا في مقام الذم!
وأشهد أني لم أرَ أعجب من هذا الاستدلال في حياتي-إلا أن يكون استدلالات الرافضة-وهذا مثل لو أراد سني أن يبطل دين الشيعة فيقول لم تأت كلمة شيعة في القرآن إلا في مقام الذم! (من باب التمثيل وإلا فقد جاء “وإن من شيعته لإبراهيم”)
والرد من وجوه:-
1-الضمير في قوله تعالى “يصفون” يعود على الكافرين, وهؤلاء إما أن ينعتوا الله بأن له ولداً أو ينسبوا له الشركاء أو غير ذلك من النقائص, ولما كان الله -تقدس اسمه- منزها عن هذه القبائح ,قال :سبحان الله عما يصفون, أي تنزه الله عن وصفهم إياه بما لا يليق به ,وأين هذا من كلامه؟ ولو كان الكلام في مدح الله بالمحامد اللائقة بجلاله ,هل يسوغ في الكلام العربي والشرعي أن يقول سبحان الله عما يصفون؟ أم سيكون جملة متناقضة فاسدة؟
ولهذا لن تجد هذه الآيات إلا في الكلام عن الكفرة( أو الظلمة كإخوة يوسف قبل أن يتوبوا), لوصفهم الله بنعوت النقص
مثال ذلك قوله تعالى “وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا ومحرمٌ على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم“
يا تُرى لو أنهم قالوا :الحرام ما حرمته علينا يارب والحلال ما أحللته, هل يصح لقلم العاقل أن يقول بصيغة الوعيد:سيجزيهم وصفهم والحالة هذه.؟ وهل يكون حكيمًا عليماً ساعتئذ؟

2-وقد جاء قوله تعالى “سبحان الله عما يصفون” متبوعاً بقوله “إلا عبادَ الله المخلصين” فانهدم عليه بنيانه
ولو أن شخصاً استدل على حرمة الصلاة بقوله سبحانه “فويل للمصلين” لكان أقوى منطقاً من احتجاج “أبو عرفة”
على ما استدل عليه به, والحاصل أن قوله “إلا عباد الله المخلصين” استثناء من وصف الكافرين له بالمعايب,لأن المخلصين لا يصفون الله سبحانه إلا بما هو أهله مما وصف به نفسه أو وصفه به رسله,ولهذا قال في الآية الأخرى “سبحان ربك رب العزة عما يصفون *وسلام على المرسلين” فلما نزه نفسه عما وصفه به الكافرون ,سلّم على المرسلين لسلامة ما وصفوا به ربهم
ثم ختم بقوله “والحمد لله رب العالمين” لأن الحمد يتضمن الثناء على المحمود بكمال صفاته كما يتضمن الاعتراف بكمال إنعامه
وعاين كلام شيخ المفسرين إذ يقول في تأويل الآية : عما يصف هؤلاء المفترون عليه من مشركي قريش , من قولهم ولد الله , وقولهم : الملائكة بنات الله , وغير ذلك من شركهم وفريتهم على ربهم
ثم ساق بسنده إلى قتادة رحمه الله تعالى:
“سبحان ربك رب العزة عما يصفون ” : (أي عما يكذبون يسبح نفسه إذا قيل عليه البهتان .) فلو قيل فيه الحق لما نزه نفسه عن قالتهم .
وهذه الآيات من الصافات نظير قوله تعالى “دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين” فنزه نفسه ثم نوه لتحية السلام على أهل الجنة وختم بالحمد المستوجب لما تقدم ذكره
قال الحافظ ابن كثير :سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم ، وصحته وحقيقته
ومما سبق تعلم صحة ما قاله شيخ الإسلام عن أدلة المبتدعة والضلال, فما من دليل يستدلون به إلا يكون هو نفسه حجة عليهم والحمد لله .
لما كان المراد التنبيه على عورات الرد بسبيل الاختصار كما وعدت, فقد رأيت الأليق التوقف عن ذكر الوجوه,لأن ماذكر فيه كفاية عن التطويل
***
مما جاء في كلام المفتري صلاح أنه عدّ لفظ الصفات “شتيمة لله” وتابعه عليه المتعصب له (د. عبدالرحمن) هداه الله, فتحصل من هذا أن أكابر علماء الأمة عبر الأزمنة المتطاولة قد وقعوا في هذا الكفر الصراح,إذ شتم الله مما لا خلاف في كونه كفراً عند سائر الأديان لا في الإسلام وحده,
وبهذا يكون الإمام الجبل الدارقطني صاحب كتاب “الصفات” واقعا في هذا الكفرالأكبر (شعر أو لم يشعر بتعبيره)
ومما أخرج في كتابه المذكور بسنده فقال:
حدثنا محمد بن مخلد ، ثنا عيسى بن إسحاق بن موسى الأنصاري أبو العباس ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت سفيان بن عيينة ، يقول : كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن …إلخ”
ويلحقهما المسكين ابن خزيمة المشهور بإمام الأئمة فقد وقع في الكفر هو الآخر بشتم الله حين افتتح كتابه “التوحيد” فقال
فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا, وكذا الإمام الكبير البيهقي فقد عنون لكتابه بشتم الله إذ ارتضى له أن يسميه “الأسماء والصفات“, وفيه ذكر بأسانيد صحيحة ورود كلمة الصفات في كلام الأئمة منهم”أبو العباس بن سريج” والحليمي, ..إلخ , وإذا رحنا نستقصي ورود هذه الكلمة على ألسنة العلماء المحققين جيلا بعد جيل لكان ضرباً من مجاراته في العبث,

-بقي أن يقال في عُجالة : تقدم بيان أن “أبو عرفة” يثبت لله علماً وقدرة ولطفاً..إلخ , وهذه في الواقع صفات مشتقة من الأسماء الحسنى, ولا يهمنا ماذا يسميها هو لأن العقلاء قد أجمعوا ألا مُشاحة في الاصطلاح, فالمتقرر في علم العربية بلا نكير أن الأسماء الجامدة هي التي لا يشتق منها صفة, ولم يختلف علماء السنة في اشتقاق صفة من اسم من أسماء الله إلا في اسم الله :”الله” والصواب المتعين أنه مشتق قطعاً وليس هذا محل بيانه.
-وقد أخرج الإمام النسائي وأبوداود وغيرهما(مثلا الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات) بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: ” اللهم إني أسألك العافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي“
فنسأل من اغتر بكلامه :هل قوله “وأعوذ بعظمتك” سؤال لله باسم من أسمائه؟
الجواب القطعي :لا,
دعاه بأي شيء إذن؟
سمه صفة أو معنى أو مصدراً أو غير ذلك ,لا يهم,
فبطل استدلاله بقول الله تعالى “ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها” لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعاه هنا (وله نظائر) بغير أسمائه
وبهذا يكون المعتزلة أكثر انسجاماً منه مع أنفسهم لخلوهم من هذا التناقض
ومما يدل هذا التخبط أن له شريطاً يخطيء فيه دعاء الناس ربهم باسم اللطيف في موضع معين, وهذا يدل دلالة واضحة أن “أبو عرفة” يلحظ الصفة التي يحملها الاسم,
وإن كابر وقال ببدعيتها .
وعلى مذهبه ينبغي أن ينكر كل مصطلح ذي مدلول صحيح يستعمله فقهاء الشرع مما لم يرد ذكره في القرآن والسنة ، وما بنا حاجة للتمثيل إلا إن اضطررنا,
وهذا الضرب من كلامه من نوع المغالطة السوفسطائية, وبيان ذلك بالآتي
-“قد أفلح المؤمنون *الذين هم في صلاتهم خاشعون*والذين هم عن اللغو معرضون…” جاز بغير نكير عند العلماء كافة سنيهم وبدعيهم أن يقال تعليقا على الآية:
-قال الله ..إلخ
-وبيّن الله أن المؤمنين نعتهم كيت وكيت
-ووعد الله المؤمنين الذين ..إلخ
-و تكلم الله عن المؤمنين الذين هم..إلخ
– ووصف الله المؤمنين الحقيقين بأنهم كذا وكذا
-وفصّل الله صفات المؤمنين التي فيها تحقيق الإيمان بكذا وكذا
-وصور الله عباده المؤمنين بأنهم ..إلخ
إلخ..وله نظائر لا حصر لها سواء كان الواصف هو الله أو كان هو الموصوف, فافهم إن كانت لديك شُفافة فهم أو مسكة عقل,أفيتصور عاقل عجز أحد عن جلب لفظ لم يستعمله الصحابة جدلا ليكون دليلاً على بطلانه؟! ومن هناك قال أهل العلم “باب الإخبار عن الله واسع” وهي قاعدة عريضة لا يخالف في جملتها أحد

ولا أنسى أن أذكر بتوصية حذف باب “الصفة” من كتب النحو
لأنك لو أعربت لفظ “الرحمن” في قوله تعالى “بسم الله الرحمن الرحيم” بأنه صفة فهذه بدعة شنيعة ومنكر فظيع ! [ على مذهب صلاح !! ]
وهو مالم يقله أحد من علماء الإسلام قط, فعلم بذلك إجماعهم العملي
والحمد لله رب العالمين

المبحث الأخير :
زعم “صلاح أبو عرفة” وتبعه تلميذه “د. عبدالرحمن” أن لفظة :”إنها صفة الرحمن” الواردة في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لفظة شاذة أو منكرة !, على عادة المبتدعة في رد الآثار الصحيحة إذا جاءت على النقيض من أهوائهم, وقد رد عليه أخونا الفاضل المسدد خباب الحمد -حفظه الله-بما فيه كفاية , لكن لابأس من بعض الفوائد الإضافيّة:
أولا- قال الحافظ ابنُ حجر في لسان الميزان عن سعيد بن أبي هلال: (ثقة ثبت ضعفه ابنُ حزم وحده) وهذا القول صحيح باستقراء كلام أئمة الحديث فأشدهم تشدداً كأبي حاتم رحمه الله لم يضعفه وكذا من خصص كتباً في بيان حال الضعفاء كابن عدي ونحوه لم يذكره في الضعفاء, ومعلوم أن “أبو عرفة” ليس من أهل الحديث بحيث يحق له ترجيح قول أبي محمد بن حزم الذي شذ فيه ,إلا أنه وافق هوى في نفسه فجنح لقوله,
ثانيا-لو ثبت- جدلاً- ما رماه به ابن حزم من دعوى التخليط ونسبه لأحمد وابن معين -ولا تصح النسبة إليهما لأنه قول مرسلٌ منه غير مسند -, لم يكن ذلك قاضيا برد الحديث, وإلا رددنا جملة كبيرة من أحاديث البخاري ومسلم مما أجمع العلماء على صحتها, ولم يعد يخفى على المبتدئين في الحديث أن البخاري ومسلماً يخرجان أحاديث ,في أسانيدها من تكلم فيهم, بسبب تمييزهما لصحيح ما رووه من ضعيفه, ومن ذلك التفريق بين ما كان قبل التخليط وبعده ,ومع هذا فلم يرمه الإمام البخاري بالتخليط,لم يذكره بشيء من ذلك في تواريخه مع كونه تكلم في رجال خرج لهم في نفس صحيحه , وقد اتفق الحفاظ على الاحتجاج بحديث سعيد بن أبي هلال كما أسلفت, والذين صنفوا في تعقب البخاري كالدارقطني لم يذكروا هذا الحديث, فصحة الحديث لا شك فيها من أي وجه , وقد اتفق البخاري ومسلم على صحته, واتفق من بعدِهم أهلُ الحديث على أن ما اتفقا عليه من أعلى رتب الصحيح
قال الحافظ العراقي في ألفيته:

وأرفعُ الصحيحِ مرويُّهما..ثم البخاريِّ فمسلمٍ فما

..إلخ, ثم اعلم أن الإمام ابن حزم حاول رد الحديث -غفر الله له-لأنه “جهمي جلد” في مبحث الأسماء الصفات كما قال الحافظ ابن عبدالهادي ,
كما فعل في حديث المعازف ليوافق مذهبه في دعوى الجواز , ومع أن كلامه في حديث هشام ابن عمار عن المعازف أقوى منطقاً وأوجه إلا أنه مما رده عليه أكابر الحفاظ وبينوا غلطه فيه وتناقضه كما بينوا زلة أي إمام حين يخطيء أو يشذ, والمقصود بيان تأثر نفسية العالم على أحكامه في التصحيح والتضعيف والفتاوى عامة لاسيما إذا ولج إليها بعقيدة ما مخالفة لطريقة أهل السنة.
والحاصل أن هذا الحديث صحيح باتفاق المحدثين لا مغمز فيه بوجه من الوجوه..
والحمد لله رب العالمين
___________
رابط الأصل https://tnkeel.wordpress.com/2010/06/07/20/

(Visited 45 times, 1 visits today)