أجمل كلام عن فتنة المداخلة، لنفهم الحاضر من خلال التاريخ

حقيقة المداخلة

كثير منا وصلته رسائل ومنشورات تحذّره من بعض العلماء المعروفين (انتبه، كلامي عن العلماء، وليس عن الدعاة المودرن)

هل تعرف ما مصدر هذه الرسائل؟
وهل تعرف ماذا يوجد وراء الكواليس في التاريخ والحاضر؟
سأقول لك..
ولا أريد منك إلا أن تدعو لي، وتنشر الرسالة ليستفيد غيرك.

ولتفهم ما يدور اليوم؛ لابد لك من أن تعرف بعض الحقائق التاريخية والمعاصرة، وسأبسطها لك بأبسط طريقة.. ولتعرف أهمية ذلك؛ انظر إلى هذا التناقض..

سؤال لك: من هم أكثر العلماء الذين تعرضوا للسجن ومنع الدروس؟ …. بالطبع هم السلفية (أو الوهابية كما يسميهم الشيعة)
ومن الذي اشتهر اليوم بأنّه يساند الحكّام؟ … أيضًا لعلك تقول: السلفية
كيف حصلت هذه المفارقة؟

لابد من معرفة التاريخ قليلا
واررررجو التركيز في كل كلمة، لأن كل ما سأذكره متعلق بفهم الواقع الحالي..
في القرن الثالث الهجري تُرجِمت كتب الفلسفة اليونانية، فتأثر بها بعض المسلمين حتى قالوا أنهم سيعرضون ما جاء في نصوص القرآن والأحاديث على قواعد الفلسفة، فما وافقها قبلناه، وما خالفها حوّرنا معناه ليتوافق معها. وأسسوا علما سمّوه “علم الكلام” جمعوا فيه نتاج أفكارهم تلك… وهؤلاء فرقتان: (الجهمية) و (المعتزلة)
وقف في وجههم عدد من العلماء، أبرزهم: الشافعي، وأحمد بن حنبل، وآخرون، حتى فضحوهم وفضحوا فسادهم. فصار الناس يسمون أهل الحق بـ (أهل السنّة) لأنهم دافعوا عن سنّة النبي ﷺ.
بعد موتهم جاء بعض المتأثرين بعلم الكلام، فرأوا أنهم إذا دعوا الناس الى عقيدتهم بصراحة، فالناس سينفرون منهم، فتذاكوا قليلا، فظهروا للناس على أنهم يحاربون (الجهمية) و(المعتزلة).
وفي العقيدة صاروا يرددون مثل كلام أهل السنّة، لكن عندما يشرحونه يعطون المعاني الفلسفية الموافقة لعلم الكلام.
فمثلا: أهل السنة يقولون (الله فوقنا) بينما الجهمية والمعتزلة (يقولون أن الله ليس فوقنا)…
فجاء هؤلاء الجدد وقالوا (الله فوقنا) كما يقول أهل السنّة.. لكن إذا سأتهم ما معنى هذا الكلام؛ قالوا: معناه أن الله أعظم منا… ففي الحقيقة هم أنكروا أن الله فوقنا، ولكن خدعوا الناس بأن قالوا تلك العبارة الموافقة لكلام أهل السنة، ثم فسروها تفسيرا شبيها بفكر المعتزلة والجهمية… وهؤلاء الجدد أكثر من فرقة، أشهرها: (الأشاعرة) و(الماتريدية)

بعد ذلك بدأ أتباع أهل الكلام بالتزايد… وتجرأوا على الإعتراف بأنهم على هذا الاعتقاد.. فصار الواحد منهم يقول عن نفسه (شافعي المذهب، أشعري العقيدة) أو (حنفي المذهب، ماتريدي العقيدة)
لكن ما سبب تزايدهم؟

أهل السنّة من أصولهم قول الحق حيث كان، ومن المعلوم أن الحكّام الظلمة لا يحبّون من يقول الحق.. وزيادة على ذلك: فإن علماء السنّة لا يحبّون الدخول على الحكّام، لأنهم يخشون على أنفسهم من أن يسألهم عن شيء من الباطل فيوافقونه خوفا منه، أو ان يُغدق عليهم بالعطاء والهدايا فيستحون من قول الحق إذا كان مخالفا له… فكانوا يتجنبون الدخول على الحكّام..
وهذا لا يعني القطيعة بتاتا، بل كان الحكام يستدعونهم أحيانا، وكان بعضهم يتولى القضاء، فلابد من أن يدخل على الحاكم.
بينما أهل الكلام كان أكثرهم (وليس كلهم) يُكثِرون من الدخول على الحكّام، والتقرّب منهم، وتحسين صورهم أمام الناس، فأحبهم الحكّام، وقربوهم وسلموهم المناصب، وإمامة المساجد.
بينما أهل السنّة يتعرضون للسجن، وللمنع من التدريس بسبب بعض أقوالهم التي لا تعجب الحكّام، وبسبب وشاية أهل الكلام بهم.
فكان هذا سبب انتشار أهل الكلام.

وهذا ما صار في يوم وليلة، بل عشرات أو مئات السنين…
لكن هذا لم يمنع أهل السنّة من الرد عليهم، وبيان مخالفاتهم.
وكان أهل السنّة يدعون الناس لترك هذه الفرق المبتَدعة المستحدّثة، والرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح. وكانوا يقولون لأهل الكلام: بدلا من تكون على مذهب أحد الأئمة الأربعة، وعقيدتك أشعرية أو ماتريدية، كن على عقيدة الأئمة الأربعة، وعقيدة السلف..
(السلف: هم الصحابة وتلاميذهم، وتلاميذهم إلى الأئمة الأربعة ومن كان معهم من علماء السنّة) ومن هنا جاء تسميتهم بالسلفيّة.

الآن سنعرف ارتباط ما مضى بواقعنا..

في السنوات الأخيرة بعد سايكس بيكو، كان الحكام (كالعادة) يُقصون السلفيّة ويضيّقون عليهم، ويمنعونهم، إلا في السعودية…
لماذا السعودية؟ ببساطة لأن السعودية المعروفة حاليا كانت إمارات صغيرة، كل قبيلة تقريبا لها إمارة مستقلة عن الأخرى، فوحّدها محمد بن سعود الذي كان سلفي العقيدة، ومعه محمد بن عبد الوهاب، وهو عالم سلفي، وصار للسلفية الكلمة الأولى في تلك الدولة… (ولا يخفى عليكم أن الأوضاع تختلف جيلا بعد جيل)..

وكلما زاد الحاكم بالبعد عن تطبيق الشريعة، زاد قمعه للسلفية، وتكميم أفواههم. فاستغل بعض الحكّام ومساندوهم من أهل الكلام اسم “محمد بن عبد الوهاب” لتشويه صورة السلفية أمام الناس، فصاروا ينسبون إليه أمورا غير صحيحة، وينسبون السلفية إليه، فيقولون (هؤلاء وهابيّة) ليوهموا الناس أنهم أتباع لشخص، وليسوا متابعين للسلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة.
لكن بعد انتشار وسائل الإعلام، وكانت في البداية: الكتب.. ثم الأشرطة الصوتية.. لم يعد الأمر هينًا… فالناس عندما يسمعون لعلماء أهل السنّة يجدون منهم عدم الكلام في دين الله إلا بالدليل من القرآن والأحاديث، ويتمسكون بها، ويردون ما يخالفها، ولا يأخذون الدين من الأحاديث غير الصحيحة، ويجد الناس أن هؤلاء العلماء غير متعصبين لمذهب، بل يجدونهم على علم بالمذاهب الأربعة، وأدلّتها قويها وضعيفها… فيُعجب الناس بحسن منهجهم، وشدة تمسكهم بالكتاب والسنّة، فيميلون إليهم. وهذا لم يعجب الأنظمة، فمنعت كتبهم وأشرطتهم…

وفي ذات الوقت في السعودية بعد تقلب الأزمان، وحصول بعض المخالفات عند الحكام، بدأت فرقة في الظهور!
تلك الفرقة كان يتزعّمها رجل يدعى (محمد أمان الجامي) وهذا الرجل عنده علم جيد، وكان العلماء يعرفونه بعلمه، ويمدحونه، ولكنه كان مهتما بتبرير أخطاء الحكام، فأعجب الحكام به. ولما مات خلفه الرجل الخطير الأكبر “ربيع المدخلي” وهذا الآخر كان على علم كبير، وسطع نجمه بكتابة ردود على بعض المبتدعة، فأعجب به العلماء، ومدحوه..
(تتذكرون ما قلنا عن الأشاعرة والماتريدية؟ الآن سنعرف لماذا تكلمنا عنهم)
ربيع المدخلي ظهر بمظهر المدافع عن السنّة، والمحب لأهل السنة، والموافق لأهل السنّة في العقيدة… لكن!!
بعد أن سطع نجمُه ومدحه العلماء؛ بدأ بمحاربة كل عالم يخالف أي فعل تفعله الحكومة، فيتتبع زلاته، ويطعن به، وقد يؤلف الكتب ضده. وجعل ربيع تقديس الحاكم هو أهم أصل في الدين، فتجده هو وطلابه أكثر كلامهم عن الحكّام وأهمية طاعتهم، ومحاربة أي مخالف لهم.. ولكي يمشي سوقه في الناس؛ كان يغلوا بالانتساب إلى اسم “السلفية” والادّعاء أنه موافق للسلف، ويحب السنّة، وعلم الحديث. فصار له دعم حكومي (غير مباشر) فجعلوه مدرسًا في جامعة المدينة، ومدرسًا في الحرم، وتلاميذه وأقاربه الموافقين له كذلك.
وفي مصر بعد أن انتشرت الدعوة إلى السنّة على يد علماء، كالحويني، ومحمد حسّان، ووحيد بالي، ومحمد يعقوب، وغيرهم؛ ظهر في مصر رجل اسمه “محمد سعيد رسلان” وسار على خطوات المدخلي، وكذلك فعل عدد من أصحابه.. وصار لهم دعم كبير (غير مباشر) من عدم التعرض إليهم، ولا إلى طلابهم، وإتاحة الفرص لنشر فكرهم.
فالحكومات سابقًا كانوا يخافون من أهل السنة بسبب قولهم الحق.. فلما ظهرت هذه الفرقة (المدخلية) كانت توافق السلفية في كل شيء، إلا ما يخالفه الحاكم، فصاروا مرضي عنها..
بل أحبتها الحكومات أكثر من الأشعرية، لأنهم حولوا أتباعهم إلى مرضى نفسيين لا يعرفون من الدين إلا (ألأصل المدخلي) وهو تمجيد الحاكم، ومحاربة من يخالف الحاكم… بل ليس فقط من يخالف الحاكم، وإنما أي شيء يرضى الحاكم عنه؛ لا يجوز الكلام فيه.. حتى أنهم اعتبروا الإنكار على حفلات الغناء والسينما في السعودية (بدعة !!!!! )
هل تعرفون ما معنى البدعة؟
البدعة هي إحداث تغيير في الدين،،، فاستنكار حفلة تامر حسني في السعودية صارت بدعة عند هؤلاء!
بل تجدهم يبدعون بعض أهل العلم لأنه قال مرة العبارة التالية (توحيد الحاكمية من أخص خصائص توحيد الألوهية) ومعناها كما قال الله تعالى ﴿إن الحكم إلا لله﴾ أي لا يجوز لمن آمن بأن الله هو الإله أن يحكم إلا بشرع الله… فقالوا أنه مبتدع!!
كيف مبتدع وقد دعا إلى تطبيق ما انزل الله؟؟؟؟
عبثوا بالكلمات وقالوا أن صياغة العبارة غير مألوفة، ولهذا هو مبتدع!!!!!!!!
بل بدّعوا كل من دعا للشعب السوري بأن ينصره الله على الظالم!!!
وبدّعوا… وبدّعوا… وبدعوا…
وبنفس الوقت يتستّرون باسم (السلفيّة)
وصاروا ينشرون منشورات تحذيرية من علماء السلفية الحقيقيين

الآن فهمنا المفارقة التي تكلمنا عنها في أول المنشور

____
____
الفقرة الثانية:
ما الذي جعلكم تظنون أن أكثر من يساند الحكّام سلفيّة؟
مع أن الواقع غير ذلك، فالواقع أن الداعمين للأنظمة هم من الأشاعرة، فمثلًا: بشار الأسد، يدعمه المفتي السوري، ووزير الأوقاف، وأئمة المساجد الكبرى وكلهم أشاعرة، وفي مصر: المفتي، وشيخ الأزهر، وهيئة الفتوى أشاعرة، وهكذا في باقي البلاد تقريبًا… وإن فكرتم في دورهم بمساندة الحكومات سترون أنه الدور الأكبر… بل في أح البلاد يركعون للحاكم، وهذا موثّق ومشهور…. فلماذا السلفيّة؟

في البداية لابد من معرفة أمر:
هناك فرق بين ما يسمّى بـ(التطبيل) وهو التبرير للحكّام، وبين من يقول: لا تخرجوا عليهم، فأهل السنّة لا يرون أن الخروج على الحاكم قضيّة هينة، بل لها شروط كثيرة.. كما أن أهل السنّة ينظرون إلى الواقع بنظرة المتأمل بعيد النظر، فيتكلمون بما يرونه مصلحة للناس، ويخشون مما يؤدي إليه الخروج من هلاك للناس، والبلاد، فيقدّرون الأمور بمقاديرها.. فيجب التفريق بين من يحذّر من الخروج لعدم توفر شروطه، وبين من يطبّل.
كما أن هناك فرق بين المطبّل، وبين من اختار أن يعلم الناس شرائع دينهم، ويسكت عن الجانب السياسي.. لأنه لو تكلم فلن يتغير الواقع، وإنما الذي سيتغير أنه سيعيش باقي حياته في السجن، فلا ينتفع منه الناس بعد في تعليمهم ما يمكن أن يعلمهم اياه. وستتشتت اسرته، وقد يضيع أولاده، وغيرها من مفاسد قد لا يقدر عليها. ولو كل علماء السلفية تكلموا في السياسة وسُجنوا، فمن سيعلم الناس باقي الأمور؟
اظن الجميع سمع مؤخرا، وهي القصة الأشهر، ما حدث للعالم السلفي “سفر الحوالي” الذي ألّف كتابا نصح فيه الحكومات، وانسجن هو وأولاده…
هل الحكومات أصلحت؟؟ لا!
هل الشعوب تغيرت؟ لا! فالذي يوافقه الرأي لم يستفد شيئًا جديدًا، والذي يخالفه لم يقرأ له.
فما صار إلا الضجة الإعلامية، وسجنه هو وأولاده، ومحاولة تشويه سمعته من قبل المداخلة…. (ونسأل الله أن يكون أجره عند الله كبير)
لكن بالنظر إلى النفع للناس، نجده شبه معدوم، وهذا ما دفع الكثير إلى السكوت عن القضايا المثيرة.

عدم التفريق هذا استغلته جماعة، وهي جماعة (الإخوان المسلمون)،
هذه الجماعة، علماؤهم عندهم أخطاء، وأكثرهم أشاعرة، فعلماء السلفية يبينون أحيانًا أخطاءهم.. كما في نصيحة ابن عثيمين، والحويني بعدم أخذ العلم من للقرضاوي، وأمثال ذلك… فهذا جعلهم يقفون في صف، والسلفية في صف.
فاستغلت هذه الجماعة هذه الفتنة، وسخّرت وسائل إعلامها لإقناع الناس أن المداخلة هم سلفيّة فعلًا، وأن السلفيّة كلهم مداخلة (إلا من وافق الإخوان)
وأقنعوا مشاهديهم أيضًا بأن كل ساكت عن القضايا السياسية فهو موافق للحكومات، وكل من يحذّر من عواقب الخروج على الحكّام فهو عميل وخائن. فبثّت في الناس هذا الخلل في الفهم.

والغضب العام الذي يعتري الناس بسبب المُجريات، يجعل الناس أكثر سماعًا لمثل هؤلاء.

فيجب على الناس أن يكونوا أكثر وعيا، وحذرا، ويتلقوا الأمور بفكر ناقد، ولا يقبلوا جرّهم إلى توجّهات الفرق والجماعات، وأن ينشغلوا بما يصلح دينهم ودنياهم

هذا والحمد لله رب العالمين

(Visited 94 times, 1 visits today)