بيان ضعف معرفة ربيع بقضايا علم مصطلح الحديث

ملف ربيع المدخلي

المثال الأول:

قال الحافظ: “مراده ـ يعني: ابن الصلاح ـ بالشاذ هنا ـ أي: في تعريف الحديث الصحيح ـ ما يخالف الراوي فيه من هو أحفظ منه أو أكثر كما فسّره الشافعي، لا مطلق تفرد الثقة كما فسره به الخليلي، فافهم ذلك(1)” (1/236-237).

فعلّق ربيع على ذلك متعقباً بقوله: “(1) ولكن ابن الصلاح قرر أن الشذا قسمان:

أحدهما: الحديث الفرد المخالف.

والثاني: الفرد الذي ليس في رواية من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف. (مقدمة ابن الصلاح ص17).

ومنه يظهر أن ابن الصلاح لم يقصد بالشاذ ما فسره الشافعي” أهـ.

قلتُ: الحافظ لم يخف عليه هذا التقسيم، وإنما قصد بيان معنى الشذوذ في تعريف ابن الصلاح لحد الحديث الصحيح حين قال: أن لا يكون شاذاً ولا معللاً. وأشار إلى ذلك بقوله (هنا) فليس على إطلاقه حتى يُتعقب عليه. ومن المعلوم أن القسم الثاني من الشاذ لا مدخل له هنا ـ كما ذكر الحافظ ـ لأن راوي الصحيح فيه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لتفرده.

فكأن الحافظ يقصد ربيعاً في قوله: “فافهم ذلك”.

المثال الثاني:

نقل الحافظ قول ابن الصلاح: “وإن كان بعيداً من ذلك رددنا من انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر..”.

ثم علّق عليه بقوله: ” هذا يعطي أن الشاذ والمنكر عنده مترادفان (2)، والتحقيق خلاف ذلك.” (2/673).

فعلّق ربيع على ذلك بقوله: “(2) قد صرح ابن الصلاح بأن المنكر بمعنى الشاذ حيث قال: وعند هذا نقول: المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه”. مقدمة ابن الصلاح ص72″. أهـ

قلتُ: معنى قول ابن الصلاح أن المنكر بمعنى الشاذ يعني به اتفاق هذين النوعين في كون راويهما قد تفرد بما رواه، فإن كان تفرده دون مخالفة لغيره من الرواة فقسم، وإن جمع إلى التفرد المخالفة فقسم آخر. ولهذا انقسم المنكر ـ وكذا الشاذ ـ إلى قسمين غير أن ثمة اختلافاً فارقاً بين النوعين، فراوي الشاذ ثقة، وراوي المنكر ضعيف.

وقد فهم ربيع من قول ابن الصلاح أن المنكر بمعنى الشاذ أي من كل وجه، ولهذا أورد هذا الكلام متعقباً الحافظ في قوله: “هذا يعطي أن الشاذ والمنكر عنده مترادفان”.

المثال الثالث:

ذكر الحافظ قول ابن الصلاح: “إذا كان راوي الحديث متأخراً عن درجة أهل الحفظ والإتقان غير أنه من المشهورين بالصدق والستر وروي حديثه من غير وجه، فقد اجتمعت له القوة من الجهتين وذلك يرقى حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح”.

قال الحافظ: “فيه أمور:… ” ثم قال: “وثانيهما: إن وصف الحديث بالصحة إذا قصر عن رتبة الصحيح، وكان على شرط الحسن إذا روي من وجه آخر لا يدخل في التعريف الذي عرف به الصحيح أولاً. فإما أن يزيد في حد الصحيح ما يعطي أن هذا أيضاً يسمى صحيحاً، وإما أن لا يسمي هذا صحيحاً. والحق أنه من طريق النظر يسمى صحيحاً، وينبغي أن يزاد في التعريف بالصحيح فيقال: هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط ـ أو القاصر عنه إذا اعتضد ـ عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً”. (1/417)

فعلّق ربيع بقوله” (3) أنت ترى أن الحافظ قد اعترض هنا على ابن الصلاح في تعريف الصحيح ورأى أنه ينبغي أن يزاد في التعريف ما ذكره، ولكن الحافظ قد عرّف الصحيح في نخبة الفكر وشرحها (صلى الله عليه وآله وسلّم29،32) بما يوافق تعريف ابن الصلاح، وعاير بين الصحيح لذاته والصحيح لغيره فقال: “.. وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معل ولا شاذ هو الصحيح لذاته.. فإن خف الضبط فالحسن لذاته وبكثرة طرفه يُصحح”.

والظاهر أن الحافظ غيّر رأيه لأن تأليفه للنخبة كان بعد تأليف النكت بدليل إحالته في النخبة وشرحها على ما في النكت. انظر نزهة النظر ص41″ أهـ كلام ربيع.

قلتُ: ابن الصلاح قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، ثم قال: “أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً” (المقدمة صلى الله عليه وآله وسلّم7-8).

فقد اقتصر في تعريفه للحديث الصحيح على الصحيح لذاته ولم يشر إلى الصحيح لغيره إلا عند كلامه على الحديث الحسن والذي أورده الحافظ، وكان الاعتراض على حد الصحيح عند ابن الصلاح في أنه أغفل الصحيح لغيره ولهذا اقترح الحافظ تعديل تعريف ابن الصلاح بزيادة (أو القاصر عنه إذا اعتضد) ليدخل فيه الصحيح لغيره، وهذا دليل على دقه فهمه رحمه الله.

فزَعْم ربيع أن الحافظ قد عرّف الصحيح في نخبة الفكر بما يوافق تعريف ابن الصلاح زَعْمٌ غير صحيح، لأن الحافظ عرّف الصحيح لذاته بما يوافق تعريف ابن الصلاح ثم أردفه بالإشارة إلى حد الصحيح لغيره.

فالحافظ في النكت وضع للحديث تعريفاً جامعاً يشمل قسميه، وفي النخبة عرّف كل قسم على حده، فالتعريف ـ في النكت والنخبة ـ واحد غير أن الصياغة مختلفة. فقول ربيع أن الحافظ غيّر رأيه في النخبة يدل على تعجله وعدم تأمله جيداً في كلام الحافظ في الكتابين.

وأما قوله: “بدليل إحالته في النخبة وشرحها على ما في النكت” فصوابه: “بدليل إحالته في شرح النخبة على ما في النكت” لأنه لا إحالة على النكت في متن (النخبة) فالواجب الدقة وتحري الصواب في العزو.

المثال الرابع:

ربيع يغفل كلام ابن رجب في تحرير معنى الشاذ عند الخليلي:

قال الحافظ في بيان حد الشاذ: والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح فكلامه أعم (6)”. (النكت: 2/652).

فعلّق ربيع على ذلك موجهاً كلام الخليلي: “وقد ظهر لي ما يمكن أن يوجه كلام الخليلي، وهو أن يقصد بقوله (يشذ به شيخ ثقة) تفرّد الصدوق الذي لم يكمل ضبطه فيكون ما حكاه عن حفاظ الحديث صحيحاً فإنهم يسمون ما كان شاذاً ومنكراً، أما إذا تفرد به حافظ مشهور أو إمام من الحفاظ والأئمة، فإن الخليلي لا يحكم عليه بالشذوذ بل هو صحيح في نظره وحكى الاتفاق عليه وبناء على هذا التوجه يخرج الخليلي من التناقض وتسقط الالزامات التي ألزمه بها العلماء” أهـ.

قلتُ: قارن توجيه ربيع بما ذكره الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي في تحرير هذه القضية حيث قال: “ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ وقد يكون فيهم الثقة وغيره. فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فرداً، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه” إلى أن يقول: “وفرق الخليلي بين ما انفرد به شيخ من الشيوخ الثقات وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قُبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث” أهـ.

قلتُ: فالأمانة تقتضي أن ينسب ذلك لابن جرير، فإن الفضل للمتقدم، خصوصاً وأن العلل قد طبع سنة (1396 هـ) بتحقيق صبحي السامرائي، وسنة (1397 هـ) بتحقيق العتر، أي حال إعداد ربيع أطروحته الماجستير، والتي كان حصوله عليها سنة (1397 هـ) بينما نال درجة الدكتوراة سنة (1400 هـ).

المثال الخامس:

ربيع يتردد في معنى قولهم: (صححه ابن حبان)

قال الحافظ: “وقد مال إلى ذلك ابن حبان (1) فصححهما جميعاً” (2/678).

فعلّق ربيع بقوله: “(1) لعل مراد الحافظ بتصحيح ابن حبان إيراده له في صحيحه” أهـ.

قلتُ: وهل أراد إلا ذلك؟ ومعلوم أنهم يقولون في الحديث: “صححه ابن خزيمة وصححه ابن حبان” ومرادهما أنهما ذكراه في كتابيهما، لأنهما اشترطا ألا يوردا فيهما إلا ما صح عندهما، وقد سمى ابن خزيمة كتابه (المختصر المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم) وسماه ابن حبان (المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع)، وقد اشتهر كتابيهما فيما بعد باسم صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان اختصاراً.

وكتب
ناصر بن عبد المحسن القحطاني
الرياض
في 8/11/1416هـ

(Visited 18 times, 1 visits today)