ربيع المدخلي يلمّع محمد حسن هيتو الأشعري الصوفي:

ملف ربيع المدخلي

نقل الحافظ عن الباقلاني أن المرسل لا يقبل مطلقاً (2/547).

فعلّق ربيع بقوله: “(1) رد الباقلاني للمرسل نقله عنه الغزالي في المستصفى (1/107) وابن السبكي في الابتهاج (2/232) نقلاً عن حسن هيتو هامش المنخول ص274 أهـ.

قلتُ: كتابا الغزالي والسبكي مطبوعان متداولان، ولو بحث ربيع عن نص الباقلاني فيهما لوجده بلا كثير عناء، ولما احتاج إلى النقل عن محمد حسن هيتو أحد رؤوس الأشعرية في هذا العصر، والذي يُصرّح بسبّ شيخ الإسلام ابن تيمية في كل مجلس جازاه الله بما يستحق.

فكان الواجب على ربيع أن يتنكب النقل عن مثله، خصوصاً في نص يمكن الوقوف عليه بشيء من الأناة والجهد، فسامح الله ربيعاً.

ثانياً: مدح ربيع لخمسة عشر عالماً من الأشاعرة والمعتزلة وسكوته عن بيان بدعهم الاعتقادية.

ترجم ربيع في تعليقه على النكت لجماعة من العلماء المتلبسين ببدعة اعتقادية من الأشاعرة والمعتزلة ولم يُنبه في تراجمهم على ذلك، بل كان يكيل لهم المديح ويسكت عن بدعتهم، فمن هؤلاء:

1- عبد القاهر بن طاهر البغدادي صاحب كتاب (الفرق بين الفِرق).. من رؤوس الأشاعرة في عصره ترجم له ابن عساكر في طبقات الأشعرية المسماة (تبين كذب المفتري ص253). وقد اقتصر عبد القاهر عند بيانه لعقيدته في خاتمة كتابه السابق ص 334،338 على إثبات سبع صفات إلهية فقط كما هو عليه اعتقاد أكثر الأشاعرة. فماذا قال عنه ربيع في التعريف به؟ قال: “عالم متفنن من أئمة الأصول له مؤلفات منها: الفرق بين الفرق، نفي خلق القرآن، ومعيار النظر. توفي سنة429 هـ.. أهـ (النكت 1/242 التعليق 8).

قلتُ: ومن مصنفاته: “تأويل متشابه الأخبار”.

2- إمام الظاهرية ابن حزم.. قال عنه ابن كثير في البداية والنهاية (12/92): “والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهرياً حائراً (كذا) في الفروع، لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره، وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيراً في نظره وتصرفه وكان مع هذا من أشد الناس تأويلاً في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات، لأنه كان قد تضلع من علم المنطق… ففسد بذلك حاله في باب الصفات.” أهـ.

وقد سكت ربيع عن بيان ذلك، وقال عنه: “هو عالم الأندلس في عصره كانت له ولأبيه من قبله رياسة الوزارة وتدبير المملكة فزهد فيها وانصرف إلى العلم والتأليف، بلغت مؤلفاته نحو 400 مجلد، منها: المحلى في الفقه، والفصل في الممل والنحل، مات سنة 456 أهـ. (النكت 1/361 تعليق ).

3- أبو بكر بن العربي صاحب كتاب (قانون التأويل) كان شديد الحمل على علماء الحنابلة، ينبزهم بالتجسيم ـ وهم منه براء ـ ويذهب إلى تأويل الصفات، قال في كتابه (العواصم ص 281-282) في حديثه عن الكائدين للإسلام: “فممن كاده الباطنية وقد بينا جملة أحوالهم وممن كاده الظاهرية، وهم طائفتان: أحدهما المتبعون للظاهر في العقائد والأصول، والثانية: المتبعون للظاهر في الأصول، وكلا الطائفتين في الأصل خبيثة، وما تفرع عنهما خبيث مثلهما، فالولد من غير نكاح لغية، والحية لا تلد إلا حية، وهذه الطائفة الآخذة بالظاهر في العقائد هي في طرف التشبيه كالأولى (يعني الباطنية) في التعطيل”

قال: “يقولون: إن الله أعلم بنفسه وصفاته وبمخلوقاته منا، وهو معلمنا، فإذا أخبرنا بأمره آمنا به كما أخبر، واعتقدناه كما أمر.

بل زعم أن أئمة الحنابلة في عصره هدموا الكعبة واستوطنوا البيِعْة، وأنهم لا أصحاب لهم إلا اليهود!! (ص288) نعوذ بالله من البهتان والخذلان.

وقال بعدما ذكر القاضي أبي يعلى وبعض تلامذته: “ولكن الفدامة استولت عليهم فليس لهم قلوب يعقلون بها ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل” (العواصم ص285)، وحسبك بذلك دليلاً على عداوته وبغضه لأئمة السنة في عصره ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومن تخبطاته في باب الصفات تأويله النزول الإلهي بنزول الرحمة (ص292-293) وإنكاره أن الله يتكلم بحرف وصوت (ص293) وتأويله اليد بأنها كناية عن القدرة (ص296-297) بل نقل إجماع الأمة على حد زعمه بأن الضحك والفرح ليسا من الصفات الإلهية (ص302) وقال (ص299): “وأما الساق فلم يرد مضافاً إليه لا في حديث صحيح ولا سقيم” وغير ذلك كثير.

ولم يأبه ربيع بذلك كله بل امتدحه وعظّم شأنه قائلاً: “وهو العلاّمة الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الإشبيلي من حفّاظ الحديث، وبرع في الأدب والبلاغة وبلغ رتبة الاجتهاد. له مؤلفات منها شرح الترمذي وأحكام القرآن، مات سنة 543”. (النكت 1/300 تعليق 1).

4- المازري المالكي شارح صحيح مسلم أشعري المعتقد قال في شرح حديث رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: ((فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون))، “فيؤول الإتيان بالرؤية أي فيرون الله تعالى أطلق الإتيان عليها مجازاً. نقله الأبي في الإكمال (1/338).

ونقل عنه أيضاً في شرح حديث: ((إن الله يبسط يده)) قوله: “بسط اليد كناية عن القبول.. وهو مجاز لأن اليد التي هي الجارحة والبسط يستحيل كل منهما في حق الله لأن ذلك من صفات الأجسام واليد تطلق على النعمة ويصح حمل الحديث على ذلك” (الإكمال 7/163).

وقال في شرح حديث: ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده…)): “الفرح: السرور ويقارنه الرضا بالمسرور به، فالمعنى أن الله سبحانه يرضى توبة العبد اشد مما يرضى الواحد لناقته بالفلاة فعبر عن الرضا بالفرح تأكيداً لمعنى الرضا في نفس السامع” (7/152).

ونقل عنه (7/157) تأويل صفتي الرحمة والغضب في شرح حديث: ((سبقت رحمتي غضبي)) بإرادة تنعيم الطائع وتعذيب العاصي أو بالتنعيم والعقوبة!.

ولم يُنبه ربيع على بدعته الاعتقادية، وإنما قال في ترجمته:

“هو محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المارزي المالكي، ويُعرف بالإمام أبو عبد الله محدث فقيه أصولي متكلم أديب من مؤلفاته المعلم بفوائد مسلم توفي سنة 536 هـ” أهـ. (النكت 1/345 تعليق 2).

5- القاضي عياض معروف بأشعريته من خلال تأويله لآيات وأحاديث الصفات فمن ذلك تأويله لحديث النزول الإلهي فبعدما حكى في تأويله قولين:

الأول: المراد بالنزول نزول الملائكة.

والثاني: أنه استعار لتقريبه للداعين وإجابته سبحانه.

قال: “ويشهد للثاني ما في الحديث من قوله: “يبسط يديه” فإنه استعارة لكثرة عطائه وإجابة دعائه” نقله عنه الأبي في (شرح صحيح مسلم 2/386) وانظر: أيضاً (مشارق الأنوار 2/9).

كما أوّل أيضاً صفة اليد لله جل وعلا فقال في (المشارق 2/303-304) بعد ذكر اختلاف المؤولة في ذلك: “وقيل تؤول مثله في قوله (خلق آدم بيده) و (كتب التوارة بيده)، وغرس الجنّة بيده) أي ابتداء لم يحتج إلى مناقل أحوال وتدريج مراتب واختلاف أطوار كسائر المخلوقات والمغروسات والمكتوبات بل أنشأ ذلك إنشاء بغير واسطة كما وجدت” قال: ” وهو أولى ما يقال عندي في ذلك”.

وقال أيضاً: (1/101): “قوله صلى الله عليه وآله وسلّم ((بيده القبض والبسط ويبسط يده لمسيء النهار)) الحديث… البسط هنا عبارة عن سعة رحمته ورزقه” وذكر غير ذلك ثم قال: “وجميع هذا يتأول في قوله: “بيده القبض والبسط” ويصح فيه”.

وقال أيضاً في تأويل صفة الغضب (2/137): “الغضب في غير حق الله حدة حفيظة وهيجان حمية، وهي في حق الله تعالى: إرادة عقاب العاصي وإظهار عقابه وفعله ذلك به” وانظر: تأويله لصفة المحبة بإرادة الخير (1/175) والرحمة بالعطف والإحسان (1/286)، والضحك ببيان الثواب للعبد وإظهار الرضا عنه (2/55).

وقد ترجم ربيع له بقوله: “هو عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته عياض بن موسى اليحصبي السبتي أبو الفضل، له مؤلفات منها: الشفاء، وشرح مسلم، ومشارق الأنوار، مات سنة 544 هـ” أهـ. (النكت 1/370 تعليق 3).

قلتُ: تأمل سكوته عن بيان أشعريته ووصفه له بأنه (إمام أهل الحديث في وقته)، فإن فيه من التلبيس مالا يخفى!. 6- العز بن عبد السلام، أشعريته ظاهرة لا تخفى على من طالع كتبه، فمن ذلك قوله في كتابه (الإشارة إلى الإيجاز ص110): “السادس عشر: استواؤه على العرش وهو مجاز عن استيلائه على ملكه وتدبيره إياه. قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق         من غير سيف ولا دم مهراق

وهو مجاز التمثيل، فإن الملوك يدبرون ممالكهم إذا جلسوا على أسرّتهم” أهـ.

وقال أيضاً (ص104-105): “وأوصاف العباد المختصة بهم قد يلازمها ما فيه نفع أو ضر وقد ينشأ عنها ما فيه نفع أو ضر كالغضب والرضا والعداوة والمحبة والمقت والود والفرح والضحك والتردد فإذا وصف البارئ بشيء من ذلك لم يجز لأن يكون موصوفاً بحقيقته لأنه نقص وإنما يتصف بمجازه، ولمجاوزة أسباب، أحدها: أن يعبر عن إرادته فيكون من مجاز الملازمة وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله وأكثر أصحابه فعلى هذا يعود إلى صفة الذات وهي الإرادة” أهـ. وعلى هذا أوّل صفات الرحمة والمحبة والرضا والمجيء والقرب والضحك والفرح والحياء والعجب والساق والغضب وغيرها (انظر ص105-112).

فماذا قال ربيع في ترجمته؟!

قال: “هو العلامة عبد العزيز ـ وذكر نسبه وكنيته ـ فقيه مشارك في الأصول والعربية والتفسير من شيوخه الآمدي، ومن تلاميذه ابن دقيق العيد. مات سنة 660 هـ” أهـ (النكت 1/371 تعليق 1).

7- الجويني الملقب بـ (إمام الحرمين) صاحب كتاب (الإرشاد في أصول الدين) وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل 2/14) حيث قال: “وهذه الطريقة التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك كصاحب كتاب (الإرشاد) وأتباعه، وهؤلاء يردون دلالة الكتاب والسنة، وتارة يُصرحون بأنّا وإن علمنا مراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم فليس قوله مما يجوز أن يُحتج به في مسائل الصفات وتارة يقولون: إنما لم يدل لأنا لا نعلم مراده لتطرق الاحتمالات إلى الأدلة السمعية. وتارة يطعنون في الأخبار. فهذه الطرق الثلاث التي وافقوا فيها الجهمية ونحوهم من المبتدعة اسقطوا بها حرمة الكتاب والرسول عندهم، وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان حتى يقولوا إنهم لم يحققوا أصول الدين كما حققناها..”

ولم يُنبه ربيع على بدعته الاعتقادية بل كال له المديح كيلاً! فقال في ترجمته: “هو العلامة الكبير عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني أبو المعالي ركن الدين أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي كان يحضر دروسه أكابر العلماء، له مؤلفات منها (البرهان في أصول الفقه) و (الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية) وكان أعجوبة زمانه، مات سنة 478” (النكت 1/372 تعليق 2).

8- أبو نصير القشيري شيخ الصوفية، قال الذهبي في (النبلاء 19/425) وحج فوعظ ببغداد، وبالغ في التعصب للأشاعرة والغض من الحنابلة فقامت الفتنة على ساق واشتد الخطب”.

وهو القائل كما في (طبقات الشافعية للسبكي 7/163):

شيئان من يعذلني فيهما فهو على التحقيق مني بري

حب أبي بكر إمام التقى ثم اعتقادي مذهب الأشعري

وترجم له ربيع فقال: “هو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري الشافعي أبو نصر فقيه أصولي مفسر أديب ناثر ناظم من شيوخه إمام الحرمين مات سنة 514”. (النكت 1/373 تعليق 2).

فأين التحذير من بدعته الاعتقادية وتعصبه للأشعرية؟!

9- الفخر الرازي وبدعه الاعتقادية معلومة عند ناشئة السلفيين بما يُغني عن ذكر النقول والأدلة عليها، وقد ألّف شيخ الإسلام كتاب (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) في الرد على كتاب الرازي المسمى (تأسيس التقديس في تأويل الصفات).

ولم يشر ربيع في ترجمته إلى البدعة الاعتقادية وإنما قال عنه: “مفسر متكلم فقيه أصولي حكيم أديب مات سنة 606 هـ” أهـ. (النكت 1/377 تعليق 3).

10- السهيلي شارح سيرة ابن هشام فقد كان يذهب مذهب شيخه أبي بكر العربي في تأويل الصفات مع شيء من خزعبلات المتصوفة!! فمن ذلك قوله في تأويل صفة الوجه:

“أما الوجه إذا جاء ذكره في الكتاب والسنة فهو ينقسم في الذكر إلى موطنين: موطن تقرب واسترضاء بعمل كقوله تعالى: {يريدون وجهه} (الكهف: 28) وكقوله: {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} (الليل: 20)” إلى أن يقول: “فأفاد قوله: (بوجهك) هاهنا (أي في حديث دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلّم عندما رده أ÷ل الطائف فقال: أعوذ بوجهك…) معنى الرضا والقبول والإقبال..

ثم قال عن الموطن الثاني: “المعني به ما ظهر إلى القلوب والبصائر من أوصاف جلاله ومجده… الخ” (الروض الآنف: 2/187).

وقال في تأويل صفة الضحك: “ويضحك الرب أي يرضيه غاية الرضى وحقيقته أنه رضى معه تبشير وإظهار كرامة..” (3/48).

غير أن ربيع كال له المديح ولم يشر إلى معتقده فقال: “هو الحافظ العلامة البارع عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الأندلسي المالقي الضرير له مؤلفات منها: الروض الآنف، كتاب الفرائض. كان إماماً في لسان العرب مات سنة 581 هـ” (النكت: 2/520 تعليق 1).

11- أبو الحسين الماوردي.. قال عنه الذهبي في (الميزان 3/155): “صدوق في نفسه لكنه معتزلي”. ونقل في ترجمته من (سير أعلام النبلاء 18/67) عن ابن الصلاح قوله: “هو متهم بالاعتزال، وكنت أتأول له واعتذر عنه، حتى وجدته يختار في بعض الوقت أقوالهم، قال في تفسيره: لا يشاء عبادة الأوثان وقال في {جعلنا لكل نبي عدواً} (الأنعام: 112) معناه: حكمنا بأنهم أعداء، أو تركناهم على العداوة فلم نمنعهم منه. فتفسيره عظيم الضرر، وكان لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة، يتكتم ولكنه لا يوافقهم في خلق القرآن، ويوافقهم في القدر، قال في قوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر: 49) أي: بحكم سابق” أهـ.

ولم يُنبه ربيع على اعتزله، وقال في ترجمته: “فقيه أصولي مفسر أديب سياسي (كذا!) من تصانيفه الحاوي الكبير في فروع الفقه الشافعي في مجلدات كثيرة، وتفسير القرآن، والأحكام السلطانية. مات سنة 450 هـ” أهـ. (النكت: 2/360-361).

وقال الحافظ في (التقريب 1337): “صدوق فاضل تكلم فيه أحمد لمسألة اللفظ” أهـ.

ولم يُنبه ربيع على موقف الإمام أحمد منه فقال مترجماً له: “فقيه أصولي محدث عارف بالرجال عداده في كبار أصحاب الشافعي. من تصانيفه: أسماء المدلسين، وكتاب الإمامة. مات سنة 245” أهـ. (النكت: 2/650 تعليق 2).

قلتُ: وعادة ربيع في الترجمة أن المترجم إن كان من رجال التقريب اكتفى بترجمة الحافظ له، ولو صنع هذا هنا لكان خيراً له فيبدوا أنه قد خفي عليه أنه مُترجم له في التقريب!

13- الزمخشري… رأس المعتزلة في عصره ومتكلمهم الأشهر ملأ تفسيره (الكشاف) بأباطيل المعتزلة.

وقد ترجم له ربيع فلم يُنبه على بدعته حيث قال: “مفسر محدث متكلم نحوي بياني من مؤلفاته: الكشاف في التفسير، والفائق في غريب الحديث، مات سنة 538” أهـ. (النكت: 2/862 تعليق 7).

14- الحميدي… صاحب الجمع بين الصحيحين فيه أشعرية تظهر من خلال تأويله لبعض الصفات الإلهية في كتابه (غريب ما في الصحيحين) فمن ذلك قوله ص 347:

“الضحك من الله عز وجل: الرضا والقبول، إذ قد منعت النصوص من توهم الجوارح” أهـ. وأوّل (الإصبع) لله عز وجل بالنعمة والأثر الحسن (ص435-436) وقوله في صفة (الساق) (ص434): {يوم يُكشف عن ساق) (القلم: 42) قال أهل اللغة: يكشف عن الأمر الشديد، وروي عن ابن عباس ومجاهد، ويُقال: كشف الرجل عن ساق، إذا جدّ وشمّّر في أمر مهم قد طرقه لتداركه”.

قلتُ: وقد سكت ربيع عن بيان ذلك فقال في ترجمته (1/300 تعليق 6): “الحافظ الثبت الإمام…”. كما ترجم في تقدمته للتحقيق لـ:

15- زكريا الأنصاري.. وهو أشعري متصوف، فمن أشعريته تأويله الاستواء بالاستيلاء كما في فتاويه (ص372)، وتأويله صفة الرحمة في قوله في (شرح ألفية العراقي 1/5): “الرحمة لغة رقة القلب، وهي كيفية نفسانية تستحيل في حقه تعالى فتحمل على غايتها، وهي الإنعام فتكون صفة فعل، أو الإرادة فتكون صفة ذات”

ومن تخاريفه الصوفية ما قاله في الدفاع عن ابن الفارض في فتاويه (ص383): “وقد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته (!) ويغيب عن كل ما سواه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان حاله التي ترقى إليها”.

وقوله في الرد على من أنكر وجود (القطب) ص381: “القطب موجود في كل زمان، كلما مات قطب أقام الله مقامه آخر نفعنا الله ببركتهم (!) وهذا أمر مشهور، والمنكر لذلك محروم من بركة الأقطاب…” إلى آخر تخليطاته! أما ربيع فسكت عن بيان تمشعره وتصوفه فقال في ترجمته:

“عالم مشارك في الفقه والأصول والفرائض والتفسير والقراءات والتجويد والحديث. أخذ عن الحافظ ابن حجر وغيره من أعيان عصره، ومن مصنفاته الكثيرة: شرح صحيح مسلم، وشرح مختصر المزني في الفقه الشافعي، وشرح ألفية العراقي في علوم الحديث مات سنة 926” أهـ. (النكت: 1/42).

وفي هذه التراجم الخمس عشر ما يتناقض مع ما قرره ربيع في كتابه (منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف) حيث قال في ص 27:

“ويجوز بل يجب الكلام في أهل البدع والتحذير منهم ومن بعدهم أفراداً وجماعات الماضون منهم والحاضرون، من الخوارج والروافض والجهمية والمرجئة والكرّامية وأهل علم الكلام الذين جرّهم علم الكلام إلى عقائد فاسدة مثل تعطيل صفات الله أو بعضها”. وقال أيضاً في ص36: “وذكر العيوب والبدع في الكتب والأشخاص نصحاً للمسلمين أمر مطلوب شرعاً”.

وقال في خاتمة الكتاب (ص131): “لقد تبين للقارئ المنصف:

1- أن ما يدعي من وجوب الموازنة بين المثالب والمحاسن فقد نقد الأشخاص والكتب والجماعات دعوى لا دليل عليها من الكتاب والسنة، وهو منهج غريب محدث.

2- وأن السلف لا يرون هذا الوجوب المدعي.

3- وأنه يجب التحذير من البدع وأهلها باتفاق المسلمين، وأنه يجوز بل يجب ذكر بدعهم والتحذير والتنفير منها” أهـ.

وقد أخل ربيع في تراجمه بهذا (الواجب) (المطلوب شرعاً) حين سكت عن بيان المترجمين الاعتقادية، بل ذكر فيها محاسنهم مغفلاً جانب التحذير من البدعة، فجعلنا بذلك نترحم على أهل (الموازنة) الذين يذكرون السلبيات والإيجابيات، فقد كان ربيع أكثر تسامحاً منهم!.

وإن تعجب فعجب نقل ربيع الإجماع على إهدار حسنات كل من رمي ببدعة والوقوف عند مثالبه، حين نقل كلام عبد الرحمن عبد الخالق القائل في نقد أصول طائفة ربيع: “ومن هذه الأصول: إهدار حسنات كل من رمي ببدعة من أهل الإسلام، والوقوف عند مثالب كل من له خطأ أو زلة لسان”.

قال ربيع معقباً عليه في كتابه (جماعة واحدة( ص157): “بل الذي ذكرته هو أصل أصيل من أصول أهل السنة والجماعة بل أجمعوا عليه”.

كذا قال! فهل معنى ذلك أن ربيع في ترجمته لأولئك العلماء قد خرق إجماع الأمة حين ذكر حسناتهم وتغاضى عن بيان بدعهم؟ نترك الإجابة لربيع نفسه.

ولا سبيل إلى تفسير هذا التناقض بين صنيع ربيع في تراجم (النكت) وما قرره مدعياً أنه منهج أهل السنة والجماعة إلا بأحد تفسيرين:

الأول: أن يكون ربيع جاهلاً ببدع هؤلاء المترجمين معتقداً أنهم على منهج أهل السنة والجماعة، ولهذا اكتفى بذكر محاسنهم، لأنه لا يعلم أصلاً أن عندهم بدعاً اعتقادية، وقد يتصور خفاء أمر المازري والحميدي على ربيع، لكن معتقد الجويني والزمخشري والفخر الرازي وابن حزم مما لا يتصور خفاؤه على ربيع لأنه معلوم عند ناشئة السلفيين فكيف بـ (العلامة) (إمام أهل السنة والجماعة) (أستاذ كرسي علم الحديث)؟!.

وإذا كان ربيع عاجزاً عن التفرقة بين علماء السنة أصحاب المعتقد الصحيح وعلماء الكلام من أصحاب العقائد المنحرفة كالمعتزلة والأشاعرة والمتصوفة فأنّى له أن يتصدى لبيان قضايا منهج أهل السنة والجماعة؟ فمن كان هذا حاله لا يؤمن منه أن يستشهد بكلام بعض المبتدعة في تقرير وتقعيد منهج أهل السنة والجماعة، لأنه لا يحسن التفريق بين السني والبدعي!!

وقد وقع من ربيع شيء من هذا الخلط في كتابه ( منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال) حيث استشهد بكلام من تلبس ببدعة النصب ـ وهو بغض علي رضي الله تعالى عنه ـ، حيث قال في بيان الموقف من رواية المبتدع (ص30): “قال الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ـ رحمه الله ـ: ومنهم زائغ عن الحق صادق في روايته فهؤلاء عند ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف إذ لم يقوّ به بدعته”. أهـ.

قلتُ: والجوزجاني قال ابن حبان: كان حريزي المذهب، ولم يكن بداعية وكان صلباً في السنة حافظاً للحديث إلا أنه من صلابته ربما كان يتعدى طوره، وقال ابن عدي: كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على علي..

وقال السلمي عن الدارقطني بعد ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي، اجتمع على بابه أًحاب الحديث فأخرجت له جارية فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها، فقال: سبحان الله! فروجة لا يوجد من يذبحها، وعليٌ يذبح في ضحوة نيفاً وعشرين ألف مسلم! (التهذيب: 1/182).

وقال الحافظ في (التقريب 273): “ثقة حافظ رمي بالنصب”.

ومما بدّع به ربيع سيد قطب: تنقصه لعثمان رضي الله تعالى عنه وطعنه فيه، فماله أحجم عن تبديع الجوزجاني مع تحقق علّة التبديع وقد ذكرنا نصوص الأئمة في بيان بدعته؟ بل ما باله يستشهد بكلامه ـ وهو كما بينا ـ في تقرير منهج أهل السنة والجماعة؟!

نترك الإجابة لربيع ومريديه؟

التفسير الثاني: أن يكون ربيع جاهلاً بما سمّاه فيما بعد (منهج أهل السنة والجماعة في نقد الأشخاص والكتب والطوائف) إلى مدة قريبة لا تزيد عن بضع سنين، وأنه طوال المدة السابقة لتأليفه كتاب (المنهج) سنة 1412 هـ كان يعتقد أن منهج أهل السنة والجماعة يقوم على الموازنة أو على الأصح أنه لا حرج عنه أهل السنة والجماعة في حكمهم على الأشخاص من ذكر محاسن المبتدعة والسكوت عن بيان بدعهم!!

ثم انقلب عند تأليفه لذلك الكتاب من الضد إلى الضد، فمن ذكر محاسن المبتدعة والسكوت عن بدعهم إلى وجوب ذكر بدعهم والسكوت عن محاسنهم، فسبحان مصرّف الأحوال !! ومن كان هذا حاله ينبغي ألاّ يعوّل عليه في بيان منهج أهل السنة، لأنه لا يؤمن أن يخرج بعد سنين قلائل بمنهج جديد ينسبه مرة أخرى إلى أهل السنة والجماعة.

ولسنا بحمد الله ممن يوافق ربيع على مذهبه (القديم) ولا (الجديد) بل نسير وفق منهج النقد الذي قرره محققو مذهب أهل السنة والجماعة كشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى والذهبي في مؤلفاته والحافظ ابن كثير في تاريخه، والذي يتلخص في التنبيه على البدع الاعتقادية التي تلبّس بها المترجَم والتحذير من اتباعه فيها أو التعويل على كلامه في المسائل الاعتقادية، والانتفاع بكتبه فيما عدا ذلك، وعدم إهدار حسناته بالكلية لأجل بدعته، وهو منهج قائم على التوسط والنصفة كما ترى خلافاً لربيع في قديمه وجديده! ولعل الله ييسر إفراد رد مفصل على كتابه المسمى (منهج أهل السنة والجماعة في نقد… الخ) فإنه تجني فيه على أهل السنة ونسب إليهم ما هم منه براء، والأولى بربيع ـ ومن كانت بضاعته في العلم مثل بضاعته أن لا يتصدى لبحث تلك القضايا المنهجية لأنه ليس من أهل تلك المسالك.

وكتب
ناصر بن عبد المحسن القحطاني
الرياض
في 8/11/1416هـ

(Visited 89 times, 1 visits today)